فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 1037

الْإِكْرَاهَ . الْمُلْجِئَ مِنْ الضَّرُورَةِ الَّتِي رَفَعَ اللَّهُ الْإِثْمَ فِيهَا , فَيُبَاحُ الْفِعْلُ عِنْدَ تَحَقُّقِهَا , وَتَنَاوُلُ الْمُبَاحِ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ النَّفْسِ أَوْ بَعْضِ أَجْزَائِهَا وَاجِبٌ , فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ , وَلَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ مُكْرَهًا لَمْ يُحَدَّ , لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ حِينَئِذٍ , وَالْحَدُّ إنَّمَا شُرِعَ زَجْرًا عَنْ الْجِنَايَاتِ . ج - أَفْعَالٌ رَخَّصَ الشَّارِعُ فِي فِعْلِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ , إلَّا أَنَّهُ لَوْ صَبَرَ الْمُكْرَهُ عَلَى تَحَمُّلِ الْأَذَى , وَلَمْ يَفْعَلْهَا حَتَّى مَاتَ , كَانَ مُثَابًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى , وَذَلِكَ كَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ , فَإِذَا أُكْرِهَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ الْفِعْلُ مَتَى كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ , لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } . وَمِنْ السُّنَّةِ مَا جَاءَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِيهِ { أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ , فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ , فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ: مَا وَرَاءَك ؟ قَالَ: شَرٌّ , يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا تُرِكْت حَتَّى نِلْت مِنْك , وَذَكَرْت آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ , قَالَ صلى الله عليه وسلم: فَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَك ؟ قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ , قَالَ صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ } . وَقَدْ أَلْحَقَ عُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ بِهَذَا النَّوْعِ الْإِكْرَاهَ عَلَى إفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ , أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ , أَوْ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ , فَإِنَّ الْمُكْرَهَ لَوْ صَبَرَ وَتَحَمَّلَ الْأَذَى , وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَانَ مُثَابًا , وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ , وَكَانَ الضَّمَانُ فِي صُورَةِ الْإِتْلَافِ عَلَى الْحَامِلِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْفَاعِلِ , لِأَنَّ فِعْلَ الْإِتْلَافِ يُمْكِنُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْحَامِلِ بِجَعْلِ الْفَاعِلِ آلَةً لَهُ , فَيَثْبُتُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ . د - أَفْعَالٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُكْرَهِ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ , كَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ , أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا , أَوْ الضَّرْبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ , فَهَذِهِ الْأَفْعَالُ لَا يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا , وَلَوْ كَانَ فِي امْتِنَاعِهِ عَنْهَا ضَيَاعُ نَفْسِهِ , لِأَنَّ نَفْسَ الْغَيْرِ مَعْصُومَةٌ كَنَفْسِ الْمُكْرَهِ , وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِيقَاعِهِ عَلَى غَيْرِهِ , فَإِنْ فَعَلَ كَانَ آثِمًا , وَوَجَبَ عِقَابُ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ , وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي نَوْعِ هَذَا الْعِقَابِ . فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: إنَّهُ الْقِصَاصُ , لِأَنَّ الْقَتْلَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْحَامِلِ بِجَعْلِ الْفَاعِلِ آلَةً لَهُ , وَالْقِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْقَاتِلِ لَا عَلَى آلَةِ الْقَتْلِ . وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّهُ الدِّيَةُ , لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ , وَلَمْ تُوجَدْ الْجِنَايَةُ الْكَامِلَةُ بِالنِّسْبَةِ لِكُلٍّ مِنْ الْحَامِلِ وَالْمُكْرَهِ . وَهَذَا الْقَتْلُ يَقُومُ مَانِعًا مِنْ الْإِرْثِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكْرِهِ ( بِالْكَسْرِ ) إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ ( بِالْفَتْحِ ) مُكَلَّفًا . أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا . وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ , أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَلَا يَحْرُمُ وَلَوْ كَانَ الْمُكْرَهُ مُكَلَّفًا . أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكْرَهِ ( بِالْفَتْحِ ) فَلَا يَحْرُمُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ . وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَى الْمُكْرَهِ إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ شَخْصًا ثَالِثًا غَيْرَ الْمُكْرَهِ وَلَا الْمُكْرِهِ , فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ هُوَ الْمُكْرَهُ كَأَنْ قَالَ لِلَّذِي قَتَلَهُ: اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك , فَقَتَلَهُ , فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِلِ , وَتَجِبُ الدِّيَةُ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ , وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً لَا مِيرَاثًا عَنْ الْمَقْتُولِ . وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ هُوَ الْمُكْرَهَ , فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ثَمَّ إكْرَاهٌ , لِأَنَّ الْمُهَدَّدَ بِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْقَتْلِ , فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ آثَارِهِ , فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ فِي هَذَا الْقَتْلِ , إلَّا إذَا كَانَ التَّهْدِيدُ بِقَتْلٍ أَشْنَعَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ لَأَقْتُلَنك , فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِي ظَنِّهِ , وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ: يَصْبِرُ وَلَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت