3-تقديم الرعاية الصحية لأهل المجاهد في سبيل الله: وهذا فرعٌ عن الجهاد المالي من جهة تسخير مهنة الطبيب التي يتكسب بها رزقه لخدمة أهل المجاهد في سبيل الله، بحيث يُقدِّم قسطًا من رعايتهم الصحية لهم بغير عوض، وإن طموحنا يجب أن يرتقي إلى مستوى قيام الأطباء المسلمين بتقديم نظام رعاية صحية متكاملة لأسر المجاهدين والشهداء من خلال الهيئات المهنية الطبية المختلفة، سواء أكان بالتعاون مع الجهات الرسمية أم كان مجرد احتساب مستقل من الهيئات الطبية النقابية أو الجمعيات الطبية ونحوها، وننبه على ما نوهنا إليه آنفًا من وجوب الحذر من إظهار الامتنان على هؤلاء، بل إن المنة لله أولًا ثم الشكر والتقدير لهذه الأسر والعائلات التي قبلت عربون الوفاء هذا، فهؤلاء كما ذكرنا هم رموز العزة والشموخ في مجتمعاتنا، وإن الخسران كل الخسران أن نغفل عنهم ونزهد في التشرف بالقيام على بعض شؤونهم، فإن أم المجاهد أمٌ لنا وإن أبا المجاهد أبٌ لنا، وإن ابن المجاهد وابنته ابنٌ وبنتٌ لنا، وإن زوج المجاهد في سبيل الله عرضٌ لنا وحريمٌ لنا تُفتدى بالأرواح تلك التي ودَّعت زوجها ليبذل النفس رخيصةً في سبيل الله فلله درها من امرأة، فالله الله أيها الطبيب دونك هذه الآفاق السامية التي لن تبلغ معشار معشارها بشهادات وندوات وألقاب ومسميات.
فحاصل الأمر في الجهاد بالمال أن يستفرغ الطبيب وسعه في القيام بواحد أو أكثر من هذه الصور ما أمكن، وليعلم الطبيب أن التوفيق للقيام بشيءٍ مما ذكرنا رهين الإخلاص في النوايا، أما من أراد من هذه الأعمال الدعاية والشهرة والسمعة والرياء فخير له ألا يتاجر بهذه النفائس ببضاعته المزجاة فإن أمره ليس بشيء البتة، فليتنبه.
ثانيًا: الجهاد بالنفس:
وهذا لعمري ذروة سنام الإسلام وغاية العبودية لرب الأنام، والمقام هنا مقام الحديث عن خصوصيات مهنة الطبيب حيث يُحتاج إليه ميدانيًا لردء إخوانه المجاهدين في سبيل الله، يضمد جراحهم ويسعف مصابهم ويستنقذ أرواحهم ويتفانى في حفظ أجسادهم ليطول بذلهم لها في سبيل الله، فإن غاية مراد المجاهد أن يكون له النفس بعد النفس والجسد بعد الجسد ليبذل ذلك كله في سبيل الله مرات ومرات، تأمل معي حديث قائد المجاهدين وإمام الغُرِّ المحجلين صلوات الله وسلامه عليه:"والذي نفس محمدٍ بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل ثم أغزو فأُقتل ثم أغزو فأُقتل" [759] ، والشاهد أن المجاهد في سبيل الله يتردد بين شوقين، شوقٌ إلى لقاء الله وشوقٌ إلى إعادة بذل النفس في سبيل الله، فكلما استنقذ الطبيب من جسده شيئًا يجدد به بلاءه في سبيل الله، كلما كان متعاونًا مع المجاهد في سبيل تحقيق هذه الأشواق، وأي تعاونٍ على برٍ وتقوى أجلُّ من هذا، وأي معروفٍ تسديه لهذا الذي باع نفسه من الله تعالى أرفع من هذا، ألا فلتعلم أيها الطبيب المجاهد أنك في الميدان مع إخوانك الجرحى والمصابين من المجاهدين إنما تتردد بين ألوانٍ من الخير وتتنعم في خُرَفٍ من الجنة، فلئن كنت سببًا في استنقاذ طرفٍ من البتر فأنت على خير، ولئن بترت طرفًا مصابًا إنقاذًا لحياة الجريح المكلوم فقد كنت سببًا لسبق عضوٍ منه إلى الجنة بإذن الله تعالى فأنت على خير، ولئن استفرغت الوسع في استنقاذ حياة المجاهد فتفلتت منك روحه إلى بارئها فأنت شاهد على أعظم مشاهد العبودية في هذا الكون وأنت على خير، ألا طوبى لذاك الطبيب الذي يتقلب فيما يراه الناس ويحسبونه الدم والأشلاء في حين أن حقيقته جنة الله في الأرض وعاجل بشرى المؤمن تحت بارقة السيوف، اللون لون الدم نعم ولكن الريح ريح المسك، المشهد غبارٌ ونقعٌ نعم ولكن في حس المجاهد ريحٌ تهب من تلقاء الجنة، ذلك والله هو عاجل بشرى المؤمن إن شاء الله.
إن الطبيب قد يجد بينه وبين هذه المشاهد مسافات ومفاوز تنقطع دونها أعناق المطي، ولكن الشريعة رحبة قريبة ممن أقبل على الله، فأنت ترى السنة النبوية تعلمنا أن نبدأ بتحديث النفس بالجهاد ترويضًا لها وتشويقًا واستعدادًا لطلاق الدنيا، ثم إنك ترى النص القرآني يضع لك معالم في الطريق تدلل على صدق هذا التمني وتجعل من تحقيق هذه المراحل خطوات تتقدم بالمرء نحو هذا السمو:"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً" [760] نعم، إن هذا النوع من الطب يحتاج إلى إعداد العدة، بل إن طب الحروب اليوم قد أصبح اختصاصًا قائمًا بنفسه، وهو بهذا القدر لا يُتصور تحصيله لكل طبيب إذ أن الحاجة ليست محصورة فيه، ولكنه حري بكل طبيب مسلم أن يكون ملمًا بالحد الأدنى الذي يمكّنه من أداء دوره عند الحاجة إليه في نفير عام أو في مهام ميدانية لا يصح استنزاف طاقة المتخصصين فيها، ولا شك أن أبجديات هذا الإعداد مبسوطة في مظانها من المراجع الطبية، ولعمري إن واجب كل طبيب مسلم اليوم ونحن نعيش معركة وجود هذه الأمة أن يلم بالحد الأدنى من طب الحروب والكوارث، كي يكون معينًا لأمته ومجتمعه في النوائب والكروب، ألا فليعد كل منا عدته ولينظر إلى مدى استعداده لسد هذا الثغر ليكون ذلك أدعى لكفاءة عمله عند الحاجة، وليكون دليلًا على صدق تمني مرتبة المجاهد في سبيل الله من جهة أخرى.
الخاتمة