قال الله تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون" [753] ، ومعلوم أن صيغة"إنما"من أساليب الحصر، فقد حصرت الآية كمال الإيمان بتحقيق قاعدة عقدية هي الإيمان بالله ورسوله، والتعبير العملي عن صدق تقرر هذه القاعدة في القلب وذلك بالجهاد المالي والبدني في سبيل الله. فهل تساءلت أيها الطبيب المسلم عن موقعك من آيات الصدق هذه وأنت تتوسم منهج النبوة في حمل هذه المهنة الراقية والهوية السامية، أعني الطب والإسلام؟ ولقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبةٍ من نفاق" [754] ، ولا شك أن عموم قوله"من"يشمل الطبيب المسلم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للتخلص من شعبة النفاق هذه وسيلةً من اثنتين؛ إما أن يغزو المرء وإما أن يحدِّث نفسه بالغزو. قلت: وتحديث النفس ليس بالتمني ولا بالتحلي، وإنما رغبة وهمة صادقة يدل عليها جهد ملموس في تحصيل مقدمات هذا المرغوب، فعادت المسألة إلى نفس الغزو، لأن من أراد الغزو وتمناه حقيقةً أخذ بأسبابه ومقدماته، فإما أن يوفق لنفس الفعل، وإما أن تتقاصر به الأسباب وتقصر به مشيئة الله عما أراد، فينطبق عليه وصف من حدَّث نفسه دون وصف من غزا، وتأمل مصداق هذا في قوله تعالى:"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين" [755] .
إن حاصل ما تقدم إذًا أنه ينبغي على الطبيب المسلم أن يأخذ بمقدمات الجهاد في سبيل الله، ولست أقصد بطبيعة الحال أن يترك الطبيب ثمار كدِّ وتعب سنوات طويلة من التحصيل العلمي والعملي واقتحام صفوف القتال فلذلك أهله [756] ، وإنما أقصد التنبيه على خصوصيات الطبيب المسلم فيما يتعلق بتحقيق عبادة الجهاد المالية والبدنية على النحو التالي:
أولًا: الجهاد المالي:
لا يخفى أن مهنة الطب من حيث هي مهنة كسب عيشٍ طيب تعتبر موردًا من موارد الرزق التي يعتاش منها الطبيب، ولئن كان الحال كذلك فإن الطبيب المسلم مخاطَب من جهة المهنة ومن جهة الرزق المكتسب عن طريقها بجملةٍ من الأحاديث النبوية المتعلقة بجهاد الرمح والسنان، أما الحديث الأول فيتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم:"من جهَّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا" [757] ، وأما الحديث الثاني فقوله صلى الله عليه وسلم:"من جهَّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" [758] ، وإن تدبُّر هذه الأحاديث يتمخض عن ثلاث صيغٍ جهادية خليق بالطبيب المسلم أن يحرص على التحلي بواحدة منها على أقل تقدير وهي:
1-تجهيز المجاهد في سبيل الله: أي بالمال فيعينه على شراء سلاحه ولباسه العسكري وراحلته أو مؤونة سفره، ولا يخفى أن الطبيب في معظم المجتمعات من ذوي الدخل الجيد، فقَمِنٌ به أن يبذل شيئًا من هذا الرزق في تجهيز إخوانه المجاهدين، وكيف يضن الطبيب المسلم على الغازي في سبيل الله مثل هذا وهما إنما زميلان في مهنة واحدة ؛ فالطبيب يسعى في حفظ أبدان المسلمين رعايةً لأرواحهم ودينهم، والمجاهد في سبيل الله يدافع عن حمى المسلمين ودمائهم وأموالهم وأعراضهم حفظًا لذلك كله وتمكينًا لهم من إقامة دين الله حتى يحيوا الحياة الطيبة النافعة، فالطبيب أحرى الناس أن يستشعر ويُثمِّن دور المجاهد وقيمة عمله وسمو غايته، وهو بالتالي أجدر الناس وأحراهم بمد يد العون والمدد له، وليس من المبالغة والحال كذلك أن نعلنها بكل صراحة ووضوح بل وبكل فخر واعتزاز: إن الطبيب والمجاهد زملاء مهنة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وبكل ما يترتب عليها من تبعات ومسؤوليات وتمحيص وابتلاء..
2-كفالة أهل المجاهد في سبيل الله: أعني كفالتهم ماديًا بما يمكِّن المجاهد من الانطلاق في مسيرته وهو مطمئنٌ إلى أن أهله بخير، وأنهم مكفولون، وأنه يوجد - بعد الله تعالى - من يقوم على تدبير شؤونهم، بحيث لا يستحيل الأهل والولد عائقًا عن الجهاد، ومرد هذه الصورة إلى الصورة السابقة أعني الجهاد بالإنفاق المالي وإن اختلفت جهة الإنفاق في هذه الصورة. وأنبه هاهنا إلى أن أهل المجاهد في سبيل الله ليسوا من الذلة والمهانة بحيث يستجدون الناس وإن الله تعالى مغنيهم عمن سواه، بل إن الواجب علينا نحن أن نبحث عن هؤلاء وأن نُقدِّر هؤلاء حين يقبلون منا أن نقوم ولو على بعض شؤونهم، وأن نعرف لهم فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى، فإن أهل المجاهد في سبيل الله هم تاج هذه الأمة ورمز سؤددها، هم الذين تفطَّرت أكبادهم وتقرَّحت قلوبهم لِحُرقة الفراق عن الابن المجاهد والزوج المجاهد والأخ المجاهد والأب المجاهد، فحذار أن تتلكأ أو تتوانى عن السعي في أمورهم أو تنتظر من يطرق بابك ليقول لك: هناك أسرة مجاهد تحتاج من يعيلها، بل قم وابحث ونقِّب وكد واتعب واطرق الأبواب وتضرع إلى الله تعالى أن يهديك إلى بيوت هؤلاء عسى أن تفوز بشرف القيام على بعض شأنهم، وإنه والله لشرفٌ وأي شرف.