11 -وأمّا في حالة الإلجاء والاضطرار , فقد ذهب الفقهاء إلى جواز أكل الميتة عندئذٍ , فمن أضطرّ إلى أكل الميتة إمّا بإكراه ملجئٍ من ظالم أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد معه غير الميتة , حلّ له ذلك لداعي الضّرورة , حيث جاء في التّنزيل بعد تحريم الميتة قوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , وقال سبحانه: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
قال الزّيلعي: فظهر أنّ التّحريم مخصوص بحالة الاختيار , وفي حالة الاضطرار مباح , لأنّ الضّرورات تبيح المحظورات .
12 -واختلف الفقهاء في حدّ الضّرورة المبيحة لأكل الميتة على أقوال:
أحدها: أن يخاف على نفسه الهلاك قطعًا أو ظنًا , وهو قول المالكيّة في المشهور .
الثّاني: أن يخاف على نفسه موتًا أو مرضًا مخوفًا أو زيادته أو طول مدّته , أو انقطاعه عن رفقته , أو خوف ضعف عن مشي أو ركوب , فيسمّى هذا الخائف مضطرًا . وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة .
الثّالث: خوف التّلف على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل , ويحصل ذلك في موضع لا يجد فيه غير الميتة , أو أن يكون غيرها موجودًا , ولكنّه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو بعض أعضائه , وهو مذهب الحنفيّة .
هذا في ميتة غير الآدميّ , وأمّا ميتة الآدميّ فقد اختلف الفقهاء فيها , وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( ضرورة ف / 10 ) .
13 -واختلف الفقهاء في حكم أكل الميتة عند الاضطرار على ثلاثة أقوال:
أحدها: الوجوب , فمن أضطرّ إلى أكل الميتة , وجب عليه تناولها , فإن امتنع من الأكل وصبر حتّى مات أثم , وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفيّة وقول عند المالكيّة والشّافعيّة على الأصحّ والحنابلة على الصّحيح , لقوله تعالى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } حيث أنّ ترك الأكل مع إمكانه في هذه الحال إلقاء بيده إلى التّهلكة , ولقوله سبحانه: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } , ولأنّه قادر على إحياء نفسه بما أحلّه اللّه له , فلزمه كما لو كان معه طعام حلال .
الثّاني: الإباحة , وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة وسحنون من المالكيّة وأبي إسحاق الشّيرازيّ من الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة وعلى ذلك: فلو امتنع المضطر عن أكلها حتّى مات , فلا إثم عليه , لأنّ إباحة الأكل رخصة , فلا تجب عليه كسائر الرخص . ولأنّ له غرضًا في اجتناب النّجاسة والأخذ بالعزيمة , وربّما لم تطب نفسه بتناول الميتة , وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه .
الثّالث: النّدب , وهو قول بعض الحنابلة .
وللتّفصيل أنظر ( ضرورة ف / 10 , أطعمة ف / 90 ) .
مقدار ما يباح للمضطرّ تناوله من الميتة:
14 -اختلف الفقهاء في مقدار ما يباح للمضطرّ تناوله من الميتة على ثلاثة أقوال:
الأوّل: لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر وابن الماجشون وابن حبيب من المالكيّة وغيرهم , وهو أنّه لا يجوز للمضطرّ أن يأكل من الميتة إلّا قدر ما يسد به رمقه , أي: ما يحفظ به حياته , قال الصّاوي: المراد بالرّمق: الحياة , وسدها: حفظها .
لأنّ ما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها , وذلك أنّ اللّه حرّم الميتة , واستثنى ما أضطرّ إليه , فإذا اندفعت الضّرورة , عادت الحرمة كحالة الابتداء .
يوضّحه أنّه بعد سدّ الرّمق غير مضطر , فزال الحكم بزوال علّته , لأنّ القاعدة المقرّرة أنّ الحكم يدور مع العلّة وجودًا وعدمًا .
الثّاني: للمالكيّة على المعتمد والشّافعيّة في قول وأحمد في رواية عنه , وهو أنّه يجوز للمضطرّ أن يأكل من الميتة حتّى يشبع , لأنّ الضّرورة ترفع التّحريم , فتعود مباحةً كسائر الأطعمة , وذلك لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه « أنّ رجلًا نزل الحرّة , فنفقت عنده ناقة , فقالت له امرأته: أسلخها حتّى نقدّد شحمها ولحمها ونأكله , فقال: حتّى أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: هل عندك غنىً يغنيك ؟ قال: لا , قال: فكلوها » .
الثّالث: لعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ: وهو أنّ له أن يأكل منها ما يسد جوعه , وذلك فوق قدر إمساك الرّمق .