28 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ( وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ) إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ , وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ - بِالْوَاجِبِ الِاعْتِكَافَ الْمَنْدُوبَ أَيْضًا , سَوَاءٌ أَكَانَ الْخُرُوجُ يَسِيرًا أَمْ كَثِيرًا . أَمَّا إذَا كَانَ الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ فَلَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْحَاجَةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ الِاعْتِكَافَ وَلَا تُفْسِدُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْوَاجِبِ: 29 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ الَّذِي وَجَبَ مِمَّا لَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ . لَكِنْ إنْ طَالَ مُكْثُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ , لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ , وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ , فَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ لَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ الِاعْتِكَافُ , وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ , وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ . وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا } وَلَهُ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُلَوِّثْ الْمَسْجِدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ فِي الْأَصَحِّ , وَالثَّانِي يَجُوزُ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى كَرَاهَةِ دُخُولِ مَنْزِلِ أَهْلِهِ وَبِهِ أَهْلُهُ - أَيْ زَوْجَتُهُ - إذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ , لِئَلَّا يَطْرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ . أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ فَيَلْزَمُهُ أَقْرَبُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ . وَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مِيضَأَةٌ يَحْتَشِمُ مِنْهَا لَا يُكَلَّفُ التَّطَهُّرَ مِنْهَا , وَلَا يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ فِي بَيْتِ صَدِيقِهِ , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ , وَتَزِيدُ دَارُ الصِّدِّيقِ بِالْمِنَّةِ بِهَا . أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَحْتَشِمُ مِنْ الْمِيضَأَةِ فَيُكَلَّفُهَا . وَأَلْحَقُوا بِالْخُرُوجِ لِمَا تَقَدَّمَ الْخُرُوجَ لِلْقَيْءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ , فَلَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا . وَلَا يُكَلَّفُ الَّذِي خَرَجَ لِحَاجَةٍ الْإِسْرَاعُ , بَلْ لَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ . ب - الْخُرُوجُ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ: 30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَى الْخُرُوجِ , أَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فَلَهُ الْخُرُوجُ , لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْأَكْلِ , لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي الْمَسْجِدِ يُسْتَحْيَا مِنْهُ . وَكَذَا لِلشُّرْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَاءٌ . وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ الْخُرُوجِ لِلْأَكْلِ إذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ فِي مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ , أَمَّا إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَهْجُورًا فَلَا يَحِقُّ لَهُ الْخُرُوجُ . ج - الْخُرُوجُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ: 31 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَلِحَرٍّ أَصَابَهُ فَلَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ , لِأَنَّهُ نَفْلٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ . فَإِنْ اُشْتُرِطَ ذَلِكَ جَازَ . د - الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ: 32 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ , وَكَانَ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا , وَاعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ آثِمٌ , وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ , لِأَنَّهَا فَرْضٌ . فَإِذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ خُرُوجَهُ لِلْجُمُعَةِ لَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ , لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ , كَالْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ . وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ وَعَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ ,