فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 1037

1 -قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: أَكْرَهْته , حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ هُوَ لَهُ كَارِهٌ - وَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ نَحْوُهُ - وَمَضَى صَاحِبُ اللِّسَانِ يَقُولُ: وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكُرْهَ وَالْكَرْهَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ , وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي فَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْأَحْرُفِ الَّتِي ضَمَّهَا هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الَّتِي فَتَحُوهَا فَرْقًا فِي الْعَرَبِيَّةِ , وَلَا فِي سُنَّةٍ تُتْبَعُ . وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ:"الْكَرْهُ ( بِالْفَتْحِ ) : الْمَشَقَّةُ , وَبِالضَّمِّ: الْقَهْرُ , وَقِيلَ: ( بِالْفَتْحِ ) : الْإِكْرَاهُ ,"وَبِالضَّمِّ"الْمَشَقَّةُ . وَأَكْرَهْته عَلَى الْأَمْرِ إكْرَاهًا: حَمَلْته عَلَيْهِ قَهْرًا . يُقَالُ: فَعَلْته كَرْهًا"بِالْفَتْحِ"أَيْ إكْرَاهًا - وَعَلَيْهِ قوله تعالى: { طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } فَجَمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ . وَلَخَصَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فُقَهَاؤُنَا إذْ قَالُوا: الْإِكْرَاهُ لُغَةً: حَمْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ , يُقَالُ: أَكْرَهْت فُلَانًا إكْرَاهًا: حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ . وَالْكَرْهُ"بِالْفَتْحِ"اسْمٌ مِنْهُ ( أَيْ اسْمُ مَصْدَرٍ ) . أَمَّا الْإِكْرَاهُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ , فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ , أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ . وَعَرَّفَهُ الْبَزْدَوِيُّ بِأَنَّهُ: حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ يَقْدِرُ الْحَامِلُ عَلَى إيقَاعِهِ وَيَصِيرُ الْغَيْرُ خَائِفًا بِهِ . أَوْ هُوَ: فِعْلٌ يُوجَدُ مِنْ الْمُكْرِهِ ( بِكَسْرِ الرَّاءِ ) فَيُحْدِثُ فِي الْمَحَلِّ ( أَيْ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ ) مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مَدْفُوعًا إلَى الْفِعْلِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ . وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ , فَسَّرُوهُ بِالْخَوْفِ , وَلَوْ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ الظَّلَمَةُ بِالْمُتَّهَمِينَ كَيْدًا . فَإِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْحَيَاءُ مَثَلًا , أَوْ التَّوَدُّدُ , فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ . 2 - وَالْفِعْلُ - فِي جَانِبِ الْمُكْرِهِ ( بِكَسْرِ الرَّاءِ ) لَيْسَ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ خِلَافِ الْقَوْلِ , وَلَوْ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ , أَوْ مُجَرَّدَ الْكِتَابَةِ , بَلْ هُوَ أَعَمُّ , فَيَشْمَلُ التَّهْدِيدَ - لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ اللِّسَانِ - وَلَوْ مَفْهُومًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ: كَأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ الْأَمِيرِ , وَأَمْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ , وَأَمْرِ الْخَانِقِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهُ الْإِصْرَارُ . وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: أَمْرُ السُّلْطَانِ , إكْرَاهٌ - وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْ - وَأَمْرُ غَيْرِهِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ , إلَّا أَنْ يَعْلَمَ تَضَمُّنَهُ التَّهْدِيدَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ . وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَوِي الْبَطْشِ وَالسَّطْوَةِ أَيًّا كَانُوا , وَصَاحِبُ الْمَبْسُوطِ نَفْسُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُ: إنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُتَجَبِّرِينَ التَّرَفُّعَ عَنْ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ , وَلَكِنَّهُمْ لَا يُعَاقِبُونَ مُخَالِفِيهِمْ إلَّا بِهِ . 3 - ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ - فِعْلٌ وَاقِعٌ عَلَى الْمُكْرَهِ ( بِالْفَتْحِ ) نَفْسِهِ - وَلَوْ كَانَ تَهْدِيدًا بِأَخْذِ أَوْ حَبْسِ مَالِهِ الَّذِي لَهُ وَقْعٌ , لَا التَّافِهِ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ , أَوْ تَهْدِيدًا بِالْفُجُورِ بِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا . وَيَسْتَوِي التَّهْدِيدُ الْمُقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ الْمُهَدَّدِ بِهِ - كَمَا فِي حَدِيثِ: أَخَذَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ , وَغَطَّهُ فِي الْمَاءِ لِيَرْتَدَّ . وَالتَّهْدِيدُ الْمُجَرَّدُ , خِلَافًا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِمُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ , كَأَبِي إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَاعْتَمَدَ . الْخِرَقِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ , تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا , وَاسْتَدَلَّ الْآخَرُونَ بِالْقِيَاسِ حَيْثُ لَا فَرْقَ , وَإِلَّا تَوَصَّلَ الْمُعْتَدُونَ إلَى أَغْرَاضِهِمْ - بِالتَّهْدِيدِ الْمُجَرَّدِ - دُونَ تَحَمُّلِ تَبَعَةٍ , أَوْ هَلَكَ الْوَاقِعُ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّهْدِيدُ إذَا رَفَضُوا الِانْصِيَاعَ لَهُ , فَكَانَ إلْقَاءَ بِالْأَيْدِي فِي التَّهْلُكَةِ , وَكِلَاهُمَا مَحْذُورٌ لَا يَأْتِي الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ . بَلْ فِي الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ - وَفِيهِ انْقِطَاعٌ - مَا يُفِيدُ هَذَا التَّعْمِيمَ: ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا فِي عَهْدِهِ تَدَلَّى يَشْتَارُ ( يَسْتَخْرِجُ ) عَسَلًا , فَوَقَفَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْلِ , وَقَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا , وَإِلَّا قَطَعْته , فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ , فَقَالَتْ: لَتَفْعَلَن , أَوْ لَأَفْعَلَن , فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا . وَرُفِعَتْ الْقِصَّةُ إلَى عُمَرَ , فَرَأَى طَلَاقَ الرَّجُلِ لَغْوًا , وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَرْأَةَ , وَلِذَا اعْتَمَدَ ابْنُ قُدَامَةَ عَدَمَ الْفَرْقِ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِقَتْلِ رَجُلٍ لَا يَمُتُّ إلَى الْمُهَدَّدِ بِسَبَبٍ , إنْ هُوَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَكَانِ شَخْصٍ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت