25 -الْعَقْدُ الْبَاطِلُ فِي اصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ , فَلَيْسَ لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ , وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ عَدَمٌ , وَالْعَدَمُ لَا يُنْتِجُ أَثَرًا . وَهُوَ مَنْقُوضٌ مِنْ أَسَاسِهِ , وَلَا يَحْتَاجُ لِحُكْمِ حَاكِمٍ لِنَقْضِهِ . وَلَا تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلًا فَهُوَ مَعْدُومٌ , وَالْإِجَازَةُ لَا تَلْحَقُ الْمَعْدُومَ ; لِأَنَّهُ مُتَلَاشٍ . وَلَا يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ الْبَاطِلِ مَا يُمْلَكُ بِغَيْرِهِ , وَإِذَا حَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمٌ يَجِبُ الرَّدُّ . فَفِي الْبَيْعِ الْبَاطِلِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَلِذَا يَجِبُ الرَّدُّ . يَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ - وَهِيَ الْبَاطِلَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - إذَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَفُتْ , حُكْمُهَا الرَّدُّ , أَيْ أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ , وَيَرُدَّ الْمُشْتَرِي الْمُثَمَّنَ . وَلَا يَمْلِكُ الْمُصَالِحُ مَا صَالَحَ بِهِ فِي الصُّلْحِ الْبَاطِلِ , وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ بِمَا دَفَعَ . وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ فِي الْهِبَةِ الْبَاطِلَةِ . وَلَا يَمْلِكُ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَ الْمَرْهُونِ فِي الرَّهْنِ الْبَاطِلِ . وَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ حُرِّيَّتَهُ فِي الْكِتَابَةِ الْبَاطِلَةِ . وَفِي الْإِجَارَةِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْإِجَارَةِ , لَا تُمْلَكُ الْأُجْرَةُ وَيَجِبُ رَدُّهَا ; لِأَنَّ أَخْذَهَا حَرَامٌ , وَتُعْتَبَرُ مِنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ . وَلَا يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْبُضْعِ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ فِي النِّكَاحِ الْبَاطِلِ . وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ الْعُقُودِ الْبَاطِلَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ , مَعَ تَفْصِيلَاتٍ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا . لَكِنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ الْبَاطِلِ كَصُورَةٍ قَدْ يُنْتِجُ أَثَرًا , وَذَلِكَ إذَا حَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمٌ وَامْتَنَعَ الرَّدُّ لِلْفَوَاتِ , فَهَلْ يَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ أَوْ لَا يَكُونُ . وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: الضَّمَانُ: 26 - رَغْمَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لَا يُفَرِّقُونَ فِي قَوَاعِدِهِمْ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ إلَّا أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْأَحْكَامِ نَجِدُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا . وَالضَّمَانُ مِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: فِي قَاعِدَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ , وَإِنْ اقْتَضَى صَحِيحُهُ عَدَمَ الضَّمَانِ كَالْقِرَاضِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ . لَكِنَّ عَدَمَ اقْتِضَاءِ الضَّمَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْقَبْضُ صَحِيحًا , بِأَنْ كَانَ الْإِذْنُ فِي قَبْضِهِ صَادِرًا مِنْ أَهْلِهِ , وَيَكُونُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحًا , وَحِينَئِذٍ فَلَا ضَمَانَ مَعَ فَسَادِ الْقَبْضِ . أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ إذْنٌ أَصْلًا , أَوْ صَدَرَ وَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا , لِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ , أَوْ فِي ظِلِّ الْإِكْرَاهِ , فَإِنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بَاطِلًا , وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الضَّمَانُ مُطْلَقًا , سَوَاءٌ أَكَانَ صَحِيحُهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ , أَمْ كَانَ فِيهِ الضَّمَانُ . جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ صَدَرَ مِنْ رَشِيدٍ كَصَحِيحِهِ , فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ إنْ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالْإِعَارَةِ فَفَاسِدُهُ أَوْلَى . وَإِنْ اقْتَضَى صَحِيحُهُ عَدَمَ الضَّمَانِ كَالرَّهْنِ , وَالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ , وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ , فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ . وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ . 27 - وَاعْتِبَارُ عَدَمِ الضَّمَانِ مَعَ الْبُطْلَانِ فِي عُقُودِ التَّصَرُّفَاتِ وَالْأَمَانَاتِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ الصَّادِرِ مِنْ أَهْلِهِ , وَالضَّمَانُ إنْ كَانَ الْإِذْنُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ , هُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ , مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ يُعْتَبَرُ أَهْلًا لِلْإِذْنِ , وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ كَالسَّفِيهِ , وَمَعَ الِاخْتِلَافِ أَيْضًا فِي الْعُقُودِ الْمَضْمُونَةِ فِي صَحِيحِهَا , أَوْ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ . وَيَعْتَبِرُ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِلِ إذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي أَمَانَةً , وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ هَلَكَ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا بَطَلَ بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ , وَهُوَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إلَّا بِالتَّعَدِّي , وَالْقَائِلُونَ بِالضَّمَانِ يُعَلِّلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ . وَيُفَرِّقُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ بَيْنَ مَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ التَّمَلُّكِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا , وَمَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ الْأَمَانَةِ فَلَا