9 -تَقَدَّمَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالتَّقِيَّةِ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا . فَقِيلَ: إذَا وُجِدَ سَبَبُهَا وَتَحَقَّقَ شَرْطُهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ , لِأَنَّ إنْقَاذَ النَّفْسِ مِنْ الْهَلَكَةِ أَوْ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا فِي تَقْدِيرِ الْمُكَلَّفِ لقوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ بِظَاهِرِهِ , كَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِبَاطِنِهِ . وَقَدْ يَكُونُ الثَّبَاتُ أَفْضَلَ وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَمَثُوبَةً وَلَوْ كَانَ الْعُذْرُ قَائِمًا , وَثَبَتَ هَذَا بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , فَمِنْ الْكِتَابِ مَا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ , فَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى عَذَابِ الْحَرِيقِ فِي الْأُخْدُودِ , وَاخْتَارُوا ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُظْهِرُوا الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِمْ . وَثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الثَّبَاتِ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى مَوْقِفِ الْعَمَلِ بِالتَّقِيَّةِ فِي قَضِيَّةِ إظْهَارِ الْكُفْرِ . وَمِنْهَا قوله تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } . وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِّلْت وَحُرِّقْت } وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ مُسَيْلِمَةَ , فَقَدْ عَذَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّحَابِيَّ الَّذِي وَافَقَ مُسَيْلِمَةَ وَقَالَ فِيهِ: { لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ } وَقَالَ فِي حَقِّ الَّذِي ثَبَتَ فَقُتِلَ: { مَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِينِهِ , وَأَخَذَ بِفَضْلِهِ , فَهَنِيئًا لَهُ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْضِيلِ . وَاحْتَجَّ السَّرَخْسِيُّ أَيْضًا بِقِصَّةِ { خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ مُوَافَقَةِ قُرَيْشٍ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى قَتَلُوهُ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هُوَ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ } . 10 - وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابًا بِعِنْوَانِ ( بَابُ مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ أَنَّهُ قَالَ { شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ , فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ , فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ لَهُ فِيهَا , فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ , وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ , فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم وَاَللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ , لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ , وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ } . وَهُوَ وَاضِحُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ . وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ فِيهِ إعْزَازٌ لِلدِّينِ وَإِعْلَاءٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارٌ لِثَبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَبَسَالَتِهِمْ , وَتَثْبِيتٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ , يَكُونُ الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ وَإِظْهَارُهُ أَوْلَى مِنْ التَّقِيَّةِ , وَهَذَا بِخِلَافِ نَحْوِ الْإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَحَيْثُ لَا تَظْهَرُ الْمَصَالِحُ الْمَذْكُورَةُ . قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلتَّقِيَّةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا: 11 - ( الْحُكْمُ الْأَوَّلُ ) : أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ , وَيَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ , وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُظْهِرَ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ , بَلْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُظْهِرَ الْكَلَامَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ , وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلَافَهُ , وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ , فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لَا فِي أَحْوَالِ الْقُلُوبِ . 12 - ( الْحُكْمُ الثَّانِي لِلتَّقِيَّةِ ) : أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْإِيمَانِ وَالْحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ , وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ . 13 - ( الْحُكْمُ الثَّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ ) : أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ , وَقَدْ تَجُوزُ أَيْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلَى الْغَيْرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَاطِّلَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ