فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 1037

30 -مِنْهَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مُخَلِّصٌ غَيْرُ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ , فَيَجِبُ أَنْ يَلْجَأَ إلَيْهِ , وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّيَ , كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَرَّمَ وَشَرَّفَ , فَيَنْوِيَ مُحَمَّدًا آخَرَ فَإِنْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ وَتَرَكَهَا لَمْ تَكُنْ التَّقِيَّةُ عُذْرًا لَهُ , وَيُعْتَبَرُ كَافِرًا . 31 - وَمِنْهَا: أَنْ يُلَاحِظَ عَدَمَ الِانْسِيَاقِ مَعَ الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ إلَى حَدِّ الِانْحِلَالِ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الضَّرُورَةِ , وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُضْطَرِّ { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ } فُسِّرَ الْبَاغِي بِمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ وَهُوَ يَجِدُ الْحَلَالَ , وَفُسِّرَ الْعَادِي بِمَنْ أَكَلَ مِنْ الْحَرَامِ فَوْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَةُ . وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ التَّقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ } فَحَذَّرَ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ الْمُتَّقِي وَيَتَمَادَى . ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ { قُلْ إنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } فَنَبَّهَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يُضْمِرُهُ مُرْتَكِبُ الْحَرَامِ بِمُوَالَاةِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ هَلْ يَفْعَلُهُ تَقِيَّةً أَوْ مُوَافَقَةً . قَالَ الرَّازِيُّ: إنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , وَاسْتَثْنَى التَّقِيَّةَ فِي الظَّاهِرِ , أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ فِي وَقْتِ التَّقِيَّةِ , وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلَى إظْهَارِ الْمُوَالَاةِ , فَقَدْ يَصِيرُ إقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ الْمُوَالَاةِ فِي الْبَاطِنِ وَهَذَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهِ , الَّذِي أَوَّلُهُ التَّرَخُّصُ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ , وَآخِرُهُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِهِ , هُوَ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَشَارَتْ إلَيْهَا بَقِيَّةُ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ الَّتِي تَلَتْ آيَةَ الْإِكْرَاهِ . قَالَ تَعَالَى { ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّك مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } وَفِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } قَالَ الطَّبَرِيُّ"مَعْنَاهُ إذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إقْرَارِهِ بِاَللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ إيَّاهُ كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ فَارْتَدَّ عَنْ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ رَاجِعًا إلَى الْكُفْرِ بِهِ". قَالَ:"وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ كَانُوا بِمَكَّةَ , فَخَرَجُوا مِنْهَا مُهَاجِرِينَ فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا فَأَعْطَوْا الْمُشْرِكِينَ لِمَا نَالَهُمْ أَذَاهُمْ مَا أَرَادُوهُ مِنْهُمْ". وَذَكَرَ غَيْرُ الطَّبَرِيِّ مِنْهُمْ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ أَخَا أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ , وَأَبَا جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرَهُمْ ثُمَّ إنَّهُمْ هَاجَرُوا فَنَزَلَ قوله تعالى { ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّك مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } . 32 - وَمِنْهَا أَنْ يُلَاحِظَ النِّيَّةَ , فَيَنْوِيَ أَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ الْحَرَامَ لِلضَّرُورَةِ , وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ يَأْخُذُ بِرُخْصَةِ اللَّهِ , فَإِنْ فَعَلَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ سَهْلٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْإِثْمِ . وَهَذَا مَا يُشِيرُ إلَيْهِ آخِرُ الْآيَةِ وَهُوَ قوله تعالى { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ } وَفِي الْحَدِيثِ { دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ , قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا , فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ فَقَالُوا لَهُ قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا , فَقَرَّبَ ذُبَابًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ قَالَ: فَدَخَلَ النَّارَ , وَقَالُوا لِلْآخَرِ قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا قَالَ مَا كُنْت لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَضَرَبُوا عُنُقَهُ قَالَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ } . قَالَ فِي تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ: وَفِيهِ: أَنَّهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبٍ لَمْ يَقْصِدْهُ بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِمْ . وَفِيهِ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ فِي قُلُوبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت