فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 1037

9 -الْخُلْعُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ فِي حَالَةِ الْوِفَاقِ وَالشِّقَاقِ خِلَافًا لِابْنِ الْمُنْذِرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الْخُلْعُ فِي حَالَتَيْ الشِّقَاقِ وَالْوِفَاقِ , ثُمَّ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ إنْ جَرَى فِي حَالِ الشِّقَاقِ , أَوْ كَانَتْ تُكْرَهُ صُحْبَتُهُ لِسُوءِ خُلُقِهِ , أَوْ دِينِهِ , أَوْ تَحَرَّجَتْ مِنْ الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ حُقُوقِهِ , أَوْ ضَرَبَهَا تَأْدِيبًا فَافْتَدَتْ , وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِهِ مَا إذَا مَنَعَهَا نَفَقَةً أَوْ غَيْرَهَا فَافْتَدَتْ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ , قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: فَإِنْ مَنَعَهَا النَّفَقَةَ لِكَيْ تَخْتَلِعَ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ الْإِكْرَاهِ فَتَبِينُ مِنْهُ بِلَا مَالٍ إذَا ثَبَتَ الْإِكْرَاهُ , قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ . وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ اسْتِثْنَاءُ حَالَتَيْنِ مِنْ الْكَرَاهَةِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَخَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَيْ مَا افْتَرَضَهُ فِي النِّكَاحِ . وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ , فَيَخْلَعَهَا , ثُمَّ يَفْعَلُ الْأَمْرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ , ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَلَا يَحْنَثُ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِالْفِعْلَةِ الْأُولَى , إذْ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْفِعْلَةَ الْأُولَى وَقَدْ حَصَلَتْ , فَإِنْ خَالَعَهَا وَلَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنْ الْحِنْثِ فَإِذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ سَبَقَ هَذَا النِّكَاحَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ , كَمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ عَلَى صِفَةٍ وُجِدَتْ بَعْدَهُ . وَالْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْخُلْعِ جَائِزًا أَوْ مَكْرُوهًا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى الْعِصْمَةِ , كَمَا فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ , وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَلَاقًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِهِ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى , لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ } . وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ , أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } , وقوله تعالى: { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ: { اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً } وَهُوَ أَوَّلُ خُلْعٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالْأُمَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَجَوَازِهِ . وَاسْتَدَلُّوا مِنْ الْمَعْقُولِ بِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الزَّوْجِ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقِصَاصِ . 10 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: مُبَاحُ الْخُلْعِ وَهُوَ أَنْ تَكْرَهَ الْمَرْأَةُ الْبَقَاءَ مَعَ زَوْجِهَا لِبُغْضِهَا إيَّاهُ , وَتَخَافُ أَلَّا تُؤَدِّيَ حَقَّهُ , وَلَا تُقِيمُ حُدُودَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ , فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ لقوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَيُسَنُّ لِلزَّوْجِ إجَابَتُهَا , لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: { جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ إلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَتَرُدِّي عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ فَقَالَتْ: نَعَمْ . فَرَدَّتْ عَلَيْهِ , وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا } وَلِأَنَّ حَاجَتَهَا دَاعِيَةٌ إلَى فُرْقَتِهِ , وَلَا تَصِلُ إلَى الْفُرْقَةِ إلَّا بِبَذْلِ الْعِوَضِ فَأُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَهُ إلَيْهَا مَيْلٌ وَمَحَبَّةٌ فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ صَبْرُهَا وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا , قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَصْبِرَ . قَالَ الْقَاضِي: أَيْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ , وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ , لِنَصِّهِمْ عَلَى جَوَازِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . الثَّانِي: مَكْرُوهٌ: كَمَا إذَا خَالَعَتْهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلْت زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ } وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا , وَيَقَعُ الْخُلْعُ , لقوله تعالى: { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ تَحْرِيمَهُ وَبُطْلَانَهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ الْخُلْعُ مِثْلُ حَدِيثِ سَهْلَةَ تَكْرَهُ الرَّجُلَ فَتُعْطِيهِ الْمَهْرَ فَهَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت