فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 1037

8 -تَنْقَسِمُ الرُّخْصَةُ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ أَهَمُّهَا: أ - بِاعْتِبَارِ حُكْمِهَا: الَّذِينَ قَسَّمُوا الرُّخَصَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُمْ الشَّافِعِيَّةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا حَيْثُ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهَا تَنْقَسِمُ - بِالِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ - إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: 9 - رُخَصٌ وَاجِبَةٌ: مِثْلُ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِمَّا حُرِّمَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ , وَشُرْبِهِ مِمَّا حُرِّمَ مِنْ الْمَشْرُوبَاتِ , بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ , وَقِيلَ: إنَّ أَكْلَ الْمُضْطَرِّ أَوْ شُرْبَهُ مِمَّا ذُكِرَ جَائِزٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ يَتَنَافَى مَعَ التَّرْخِيصِ , وَلِذَلِكَ نَقَلُوا عَنْ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ , كَالْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ هُرُوبًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي التَّنَاقُضِ . وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ إلَى خِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ , وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ , وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ , وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ - بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الْأَكْلِ وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا -: هَلْ تُرْفَعُ تِلْكَ الْحُرْمَةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَيَصِيرُ أَكْلُهَا مُبَاحًا , أَوْ تَبْقَى وَيَرْتَفِعُ الْإِثْمُ فَقَطْ ؟ . بَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ , وَلَكِنْ يُرَخَّصُ فِي الْفِعْلِ إبْقَاءً عَلَى حَيَاةِ الشَّخْصِ - كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ , وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ اسْتَنَدَ إلَى أَدِلَّةٍ مَبْسُوطَةٍ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ . وَهَذَا الْخِلَافُ تَظْهَرُ لَهُ فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: إذَا صَبَرَ الْمُضْطَرُّ حَتَّى مَاتَ لَا يَكُونُ آثِمًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ , وَيَكُونُ آثِمًا عَلَى الثَّانِي . الثَّانِيَةُ: إذَا حَلَفَ الْمُكَلَّفُ بِأَنْ لَا يَأْكُلَ حَرَامًا أَبَدًا , فَتَنَاوَلَ مِنْهُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ يَحْنَثُ عَلَى الْأَوَّلِ , وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي . ( الْقِسْمِ الثَّانِي ) : 10 - رُخَصٌ مَنْدُوبَةٌ: مِثْلُ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا يَبْلُغُ ثَلَاثَهُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا , وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ , وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ , وَالنَّظَرُ إلَى الْمَخْطُوبَةِ , وَمُخَالَطَةُ الْيَتَامَى فِي أَمْوَالِهِمْ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ } . حَيْثُ نَصَّ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ تَتَضَمَّنُ تَرْخِيصًا فِي خَلْطِ طَعَامِ الْيَتِيمِ بِطَعَامِ كَافِلِهِ , وَشَرَابِهِ بِشَرَابِهِ , وَمَاشِيَتِهِ بِمَاشِيَتِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ , كَمَا أَكَّدُوا بِأَنَّهَا أَفَادَتْ حَثًّا عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَتَعْرِيضًا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ احْتِقَارِ الْيَتِيمِ وَالتَّرَفُّعِ عَنْهُ . ( الْقِسْمِ الثَّالِثِ ) : 11 - رُخَصٌ مُبَاحَةٌ: وَقَدْ مَثَّلُوا لَهَا بِالْعُقُودِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ , كَالسَّلَمِ , وَالْعَرِيَّةِ , وَالْقِرَاضِ , وَالْمُسَاقَاةِ , وَالْإِجَارَةِ , وَالْجُعْلِ , وَنَحْوِهَا مِمَّا أُبِيحَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ . ( الْقِسْمِ الرَّابِعِ ) : 12 - رُخَصٌ جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى: مِثْلُ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ الَّذِي لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ مَشَقَّةً قَوِيَّةً , وَالتَّيَمُّمُ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ , وَالْجَمْعُ الَّذِي لَا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَةُ الْمُسَافِرِ . وَالسُّؤَالُ عَنْ الْأَشْيَاءِ فِي وَقْتِهَا , وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَنَسْخُهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ .

ب - ( بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ) : تَقْسِيمُ الرُّخَصِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُمَثِّلُ وُجْهَةَ نَظَرٍ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ تَوَاطَأَتْ كَلِمَتُهُمْ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى تَقْسِيمِهَا - بِالِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ - إلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ: الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: رُخَصٌ حَقِيقِيَّةٌ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت