5 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَسْخِيرِ الْعَامِلِ دُونَ أَجْرٍ , وَلَا يَجُوزُ إجْبَارُهُ أَوْ إكْرَاهُهُ عَلَى قَبُولِ عَمَلٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ . وَاعْتَبَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ التَّعَدِّي الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ . فَمَنْ قَهَرَ عَامِلًا وَسَخَّرَهُ فِي عَمَلٍ ضَمِنَ أُجْرَتَهُ لِاسْتِيفَائِهِ مَنَافِعَهُ الْمُتَقَوِّمَةَ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَامِلِ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فَضُمِنَتْ بِالتَّعَدِّي , وَالْأُجْرَةُ فِي مُقَابِلِ الْعَمَلِ مِنْ مُقَوِّمَاتِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ , وَمَعْلُومِيَّتهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ , فَإِنْ خَلَا مِنْهَا , أَوْ فَسَدَ الْعَقْدُ , أَوْ سَمَّى مَا لَا يَصِحُّ أُجْرَةً وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى أَجْرِ الْمِثْلِ . هَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَتَفْصِيلُهُ فِي ( إجَارَةٍ ) . 6 - وَالْأَصْلُ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِعَمَلِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ بِرِضَاهُ , سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ كَالْإِجَارَةِ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَأَنْ يَتَطَوَّعَ بِمَعُونَةِ شَخْصٍ أَوْ خِدْمَتِهِ , وَمَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْأَفْرَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَنْطَبِقُ عَلَى الدَّوْلَةِ فِيمَنْ تَسْتَعْمِلُهُمْ مِنْ عُمَّالٍ , إلَّا أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَخِّرَ بَعْضَ النَّاسِ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ تَقْتَضِيهَا مَصْلَحَةُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا يَجُوزُ تَسْخِيرُهُمْ بِدُونِ أَجْرٍ , وَتُلْزَمُ الدَّوْلَةُ بِإِجْرَاءِ أُجُورِهِمْ فِي مُقَابِلِ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالٍ . 7 - وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْأَصْلِ جُمْلَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ: مِنْهَا: أَنَّ لِلْعَامِلِ فِي الدَّوْلَةِ أَجْرًا يُجْرِيهِ لَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ , وَلَا يَخْلُو هَذَا الْأَجْرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُسَمِّيَ الْوَالِي لِلْعَامِلِ أَجْرًا مَعْلُومًا: يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْأَجْرَ إذَا وَفَّى الْعِمَالَةَ حَقَّهَا , فَإِنْ قَصَّرَ رُوعِيَ تَقْصِيرُهُ , فَإِنْ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ بَعْضِ الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَارِي مَا قَابَلَهُ , وَإِنْ كَانَ خِيَانَةً مَعَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ اسْتَكْمَلَ جَارِيهِ وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ مَا خَانَ فِيهِ , وَإِنْ زَادَ فِي الْعَمَلِ رُوعِيَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْأَجْرِ . الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُسَمِّيَ لِلْعَامِلِ أَجْرًا مَجْهُولًا: فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أَجْرَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ , فَإِنْ كَانَ جَارِي الْعَمَلِ مُقَدَّرًا فِي الدِّيوَانِ وَعَمِلَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُمَّالِ صَارَ ذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ جَارِي الْمِثْلِ . الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُسَمِّيَ لَهُ أَجْرًا مَعْلُومًا وَلَا مَجْهُولًا . فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا جَارِيَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ , وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِهِ ; لِخُلُوِّ عَمَلِهِ مِنْ عِوَضٍ . وَذَهَبَ الْمُزَنِيّ إلَى أَنَّ لَهُ جَارِيَ مِثْلِهِ لِاسْتِيفَاءِ عَمَلِهِ عَنْ إذْنِهِ . وَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَخْذِ الْجَارِي عَلَى عَمَلِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ , وَإِنْ لَمْ يُشْتَهَرْ فَلَا جَارِيَ لَهُ . وَذَهَبَ أَبُو إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إلَى أَنَّهُ إنْ دُعِيَ إلَى الْعَمَلِ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ أُمِرَ بِهِ فَلَهُ جَارِي مِثْلِهِ فَإِنْ ابْتَدَأَ بِالطَّلَبِ فَأَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ فَلَا جَارِيَ لَهُ . وَنَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ ( جِعَالَةٍ ) فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ الْجُعْلَ فِي حَالَةِ الْإِذْنِ لَهُ بِالْعَمَلِ أَوْ عَدَمِ الْإِذْنِ حَيْثُ اُسْتُوْفِيَتْ الْمَذَاهِبُ فِي الْمَسْأَلَةِ . فَلْتُرَاجَعْ فِي مُصْطَلَحِ: ( جِعَالَةٍ ف 31 - 34 ) 8 - وَمِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاسْتِعْمَالِ الدَّوْلَةِ لِلْعُمَّالِ بِأَجْرٍ , مَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى صِنَاعَةٍ مِنْ الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِالْعَمَلِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِمْ مُرَاعَاةً لِمَصَالِح النَّاسِ حَيْثُ صَارَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِمْ وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ مُطَالَبَةِ النَّاسِ بِزِيَادَةٍ عَنْ عِوَضِ الْمِثْلِ , وَلَا يُمَكِّنُ النَّاسَ مِنْ ظُلْمِهِمْ بِأَنْ يُعْطُوهُمْ دُونَ حَقِّهِمْ . كَمَا إذَا احْتَاجَ الْجُنْدُ الْمُرْصِدُونَ لِلْجِهَادِ إلَى فِلَاحَةِ أَرْضِهِمْ , وَأَلْزَمَ مَنْ صِنَاعَتُهُ الْفِلَاحَةَ أَنْ يَقُومَ بِهَا: أُلْزِمَ الْجُنْدُ بِأَلَّا يَظْلِمُوا الْفَلَّاحَ , كَمَا يُلْزِمَ الْفَلَّاحَ بِأَنْ يُفَلِّحَ . 9 - وَمِنْ الْمَسَائِلِ كَذَلِكَ: أَنَّ أَوْجُهَ اخْتِصَاصِ وَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تَظَلُّمِ الْمُسْتَرْزِقَةِ مِنْ نَقْصِ أَرْزَاقِهِمْ أَوْ تَأَخُّرِهَا عَنْهُمْ , أَوْ إجْحَافِ النَّظَرِ بِهِمْ فَيَرُدُّ إلَيْهِمْ أَرْزَاقَهُمْ وَيَضْبِطُ هَذَا فِي دِيوَانِهِ . وَالدَّلِيلُ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ وَفَاءِ الدَّوْلَةِ بِأُجُورِ عُمَّالِهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ