فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 1037

أ - ( الْكَلَامُ ) : 107 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ ; لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - رضي الله تعالى عنه - قَالَ: { كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ , يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ - رضي الله تعالى عنه - قَالَ: { بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ , فَقُلْتُ: يَرْحَمُك اللَّهُ . فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ , فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ , فَلَمَّا رَأَيْتهمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ , فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ . فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي , قَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ لِلصَّلَاةِ مَا انْتَظَمَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَصَاعِدًا ; لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ يَكُونَانِ كَلِمَةً كَأَبٍ وَأَخٍ , وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ , وَلَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ فِي أَقَلَّ مِنْ حَرْفَيْنِ , قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: الْحَرْفَانِ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ الْكَلَامُ حَرْفَانِ لِلِابْتِدَاءِ وَالْوَقْفِ , أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ نَحْوَ"قِ"مِنْ الْوِقَايَةِ , وَ"عِ"مِنْ الْوَعْيِ وَ"فِ"مِنْ الْوَفَاءِ , وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ مَدَّةً بَعْدَ حَرْفٍ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ نَحْوَ"آ"لِأَنَّ الْمَمْدُودَ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْفَانِ وَهَذَا عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ . وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ قَدْ تَتَّفِقُ لِإِشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَلَا تُعَدُّ حَرْفًا . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ لِلصَّلَاةِ هُوَ حَرْفٌ أَوْ صَوْتٌ سَاذِجٌ , سَوَاءٌ صَدَرَ مِنْ الْمُصَلِّي بِالِاخْتِيَارِ أَمْ بِالْإِكْرَاهِ , وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ هَذَا الصَّوْتُ كَإِنْقَاذِ أَعْمَى أَوْ لَمْ يَجِبْ , وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ كَثِيرًا , وَكَذَا اسْتَثْنَوْا الْكَلَامَ حَالَةَ السَّهْوِ إذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِنَّهُ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَيْضًا . وَلَمْ يُفَرِّقْ الْحَنَفِيَّةُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْكَلَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي نَاسِيًا أَوْ نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا , أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا , فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَلَامِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا . قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ: { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } . فَمَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ السَّلَامَ سَاهِيًا لِلتَّحْلِيلِ قَبْلَ إتْمَامِهَا عَلَى ظَنِّ إكْمَالِهَا فَلَا يَفْسُدُ , وَأَمَّا إنْ كَانَ عَمْدًا فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ . وَكَذَا نَصُّوا عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ عَلَى إنْسَانٍ لِلتَّحِيَّةِ , وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عَلَيْكُمْ , وَلَوْ كَانَ سَاهِيًا . وَبِرَدِّ السَّلَامِ بِلِسَانِهِ أَيْضًا . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِكَلَامِ النَّاسِي , وَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ , وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ , إنْ كَانَ الْكَلَامُ يَسِيرًا عُرْفًا , فَيُعْذَرُ بِهِ , وَاسْتَدَلُّوا لِلنَّاسِي بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله تعالى عنه - قَالَ: { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ أَتَى خَشَبَةَ الْمَسْجِدِ وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ , فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ . فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ } . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُ تَكَلَّمَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ , وَهُمْ تَكَلَّمُوا مُجَوِّزِينَ النَّسْخَ ثُمَّ بَنَى هُوَ وَهُمْ عَلَيْهَا . وَلَا يُعْذَرُ فِي كَثِيرِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتَهَا , وَالْقَلِيلُ يُحْتَمَلُ لِقِلَّتِهِ وَلِأَنَّ السَّبْقَ وَالنِّسْيَانَ فِي كَثِيرٍ نَادِرٍ . قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَمَرْجِعُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْكَلَامِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلَوْ كَانَ كَلَامُهُ يَسِيرًا ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت