فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 1037

37 -يَفْسُدُ الصَّوْمُ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - كُلَّمَا انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ , أَوْ اخْتَلَّ أَحَدُ أَرْكَانِهِ , كَالرِّدَّةِ , وَكَطُرُوءِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ , وَكُلُّ مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا , وَدُخُولِ شَيْءٍ مِنْ خَارِجِ الْبَدَنِ إلَى جَوْفِ الصَّائِمِ . 38 - وَيُشْتَرَطُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِمَا يَدْخُلُ إلَى الْجَوْفِ مَا يَلِي: - أ - أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَوْفِ , مِنْ الْمَنَافِذِ الْوَاسِعَةِ - كَمَا قَيَّدَهُ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ - وَالْمَفْتُوحَةِ - كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ - أَيْ: الْمَخَارِقُ الطَّبِيعِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ فِي الْجِسْمِ , وَاَلَّتِي تُعْتَبَرُ مُوَصِّلَةً لِلْمَادَّةِ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ , كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ . وَقَدْ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ , بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ اغْتَسَلَ فِي مَاءٍ , فَوَجَدَ بَرْدَهُ فِي بَاطِنِهِ لَا يُفْطِرُ , وَمَنْ طَلَى بَطْنَهُ بِدُهْنٍ لَا يَضُرُّ , لِأَنَّ وُصُولَهُ إلَى الْجَوْفِ بِتَشَرُّبٍ . وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ , بَلْ اكْتَفَوْا بِتَحَقُّقِ وُصُولِهِ إلَى الْحَلْقِ وَالْجَوْفِ , وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ . ب - أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَوْفِ مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ , كَدُخُولِ الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ بِنَفْسِهِ حَلْقَ الصَّائِمِ إذَا لَمْ يَبْتَلِعْهُ بِصُنْعِهِ , فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ - كَالذُّبَابِ يَطِيرُ إلَى الْحَلْقِ , وَغُبَارُ الطَّرِيقِ - لَمْ يُفْطِرْ إجْمَاعًا . وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ , وَالْقِيَاسُ: الْفَسَادُ , لِوُصُولِ الْمُفْطِرِ إلَى جَوْفِهِ . وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ , أَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ , فَأَشْبَهَ الدُّخَانَ . وَالْجَوْفُ هُوَ: الْبَاطِنُ , سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُحِيلُ الْغِذَاءَ وَالدَّوَاءَ , أَيْ يُغَيِّرُهُمَا كَالْبَطْنِ وَالْأَمْعَاءِ , أَمْ كَانَ مِمَّا يُحِيلُ الدَّوَاءَ فَقَطْ كَبَاطِنِ الرَّأْسِ أَوْ الْأُذُنِ , أَمْ كَانَ مِمَّا لَا يُحِيلُ شَيْئًا كَبَاطِنِ الْحَلْقِ . قَالَ النَّوَوِيُّ: جَعَلُوا الْحَلْقَ كَالْجَوْفِ , فِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ بِوُصُولِ الْوَاصِلِ إلَيْهِ , وَقَالَ الْإِمَامُ: إذَا جَاوَزَ الشَّيْءُ الْحُلْقُومَ أَفْطَرَ . قَالَ: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا: بَاطِنُ الدِّمَاغِ وَالْأَمْعَاءُ وَالْمَثَانَةُ مِمَّا يُفْطِرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ . ج - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَوْفِ مُغَذِّيًا , فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِالدَّاخِلِ إلَى الْجَوْفِ , مِمَّا يُغَذِّي أَوْ لَا يُغَذِّي , كَابْتِلَاعِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ , وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ , قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ , أَنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يَصِلُ إلَى الْحَلْقِ , مِنْ أَيِّ الْمَنَافِذِ وَصَلَ , مُغَذِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُغَذٍّ . د - وَشُرِطَ كَوْنُ الصَّائِمِ قَاصِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ , أَمَّا لَوْ كَانَ نَاسِيًا أَنَّهُ صَائِمٌ , فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ , فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ , فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ , فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ } . وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ . وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ فِي رَمَضَانَ , فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ , عَلَيْهِ الْقَضَاءُ , أَمَّا لَوْ نَسِيَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ , فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ , فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ , وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . هـ وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ اسْتِقْرَارَ الْمَادَّةِ فِي الْجَوْفِ , وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْحَصَاةَ - مَثَلًا - تَشْغَلُ الْمَعِدَةَ شُغْلًا مَا وَتُنْقِصُ الْجُوعَ . وَلَمْ يَشْتَرِطْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ اسْتِقْرَارَ الْمَادَّةِ فِي الْجَوْفِ إذَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ . وَعَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: لَوْ لَمْ تَسْتَقِرَّ الْمَادَّةُ , بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ الْجَوْفِ لِسَاعَتِهَا لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ , كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ سِهَامٌ فَاخْتَرَقَتْ بَطْنَهُ وَنَفَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ , وَلَوْ بَقِيَ النَّصْلُ فِي جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ , قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ بَعْضُ السِّكِّينِ خَارِجًا . و - وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , أَنْ يَكُونَ الصَّائِمُ مُخْتَارًا فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ , مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ , فَلَوْ أُوْجَرَ الْمَاءُ , أَوْ صُبَّ الدَّوَاءُ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا , لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَهُمْ , لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَقْصِدْ . وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ , فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ , فَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي الْفِطْرِ وَعَدَمِهِ . أَصَحُّهُمَا: عَدَمُ الْفِطْرِ , وَعَلَّلُوا عَدَمَ الْإِفْطَارِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ , لِعَدَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت