لأن الإسلام كإعلان عام لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من العبودية للعباد ؛ يواجه دائما طواغيت في الأرض يخضعون العباد للعباد . ويواجه دائما أنظمة تقوم على أساس دينونة العبيد للعبيد ؛ تحرس هذه الأنظمة قوة الدولة أو قوة تنظيمية في صورة من الصور ؛ وتحول دون الناس في داخلها ودون سماع الدعوة الإسلامية ؛ كما تحول دونهم ودون اعتناق العقيدة إذا ارتضتها نفوسهم ، أو تفتنهم عنها بشتى الوسائل . . وفي هذا يتمثل انتهاك حرية الاعتقاد بأقبح أشكاله . . ومن هنا ينطلق الإسلام بالسيف ليحطم هذه الأنظمة ، ويدمر هذه القوى التي تحميها . . ثم ماذا ؟ . . ثم يترك الناس - بعد ذلك - أحرارا حقا في اختيار العقيدة التي يريدونها . إن شاءوا دخلوا في الإسلام ، فكان لهم ما للمسلمين من حقوق ، وعليهم ما عليهم من واجبات ، وكانوا إخوانا في الدين للسابقين في الإسلام ! وإن شاءوا بقوا على عقائدهم وأدوا الجزية ، إعلانا عن استسلامهم لانطلاق الدعوة الإسلامية بينهم بلا مقاومة ؛ ومشاركة منهم في نفقات الدولة المسلمة التي تحميهم من اعتداء الذين لم يستسلموا بعد ، وتكفل العاجز منهم والضعيف والمريض كالمسلمين سواء بسواء .
إن الإسلام لم يكره فردا على تغيير عقيدته ؛ كما انطلقت الصليبية على مدار التاريخ تذبح وتقتل وتبيد شعوبا بأسرها - كشعب الأندلس قديما وشعب زنجبار حديثا - لتكرههم على التنصر . وأحيانا لا تقبل منهم حتى التنصر ، فتبيدهم لمجرد أنهم مسلمون . . وأحيانا لمجرد أنهم يدينون بمذهب نصراني مخالف لمذهب الكنيسة الرسمية . . وقد ذهب مثلا اثنا عشر ألفا من نصارى مصر ضحايا بصور بشعة إذ أحرقوا أحياء على نار المشاعل لمجرد مخالفتهم لجزئية اعتقادية عن كنيسة روما تتعلق بانبثاق الروح القدس من الآب فقط ، أو من الآب والابن معا !
أو يتعلق بما إذا كان للمسيح طبيعة واحدة لاهوتية ، أو طبيعة لاهوتية ناسوتية . . . إلى آخر هذه الجزيئات الاعتقادية الجانبية !
وأخيرا فإن صورة الانطلاق في الأرض لمواجهة من يلون المسلمين من الكفار تهول المهزومين روحيا في هذا الزمان وتتعاظمهم ؛ لأنهم يبصرون بالواقع من حولهم وبتكاليف هذا الانطلاق فيهولهم الأمر . . وهو يهول فعلا ! . . فهل هؤلاء الذين يحملون أسماء المسلمين ، وهم شعوب مغلوبة على أمرها ؛ أو قليلة الحيلة عموما ! هل هؤلاء هم الذين سينطلقون في الأرض يواجهون أمم الأرض جميعا بالقتال ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ؟! إنه لأمر لا يتصور عقلا . . ولا يمكن أن يكون هذا هو أمر الله فعلا !
ولكن فات هؤلاء جميعا أن يروا متى كان هذا الأمر ؟ وفي أي ظرف ؟ لقد كان بعد أن قامت للإسلام دولة تحكم بحكم الله ؛ دانت لها الجزيرة العربية ودخلت في هذا الدين ، ونظمت على أساسه . وقبل ذلك كله كانت هناك العصبة المسلمة التي باعت أنفسها لله بيعة صدق ، فنصرها الله يوما بعد يوم ، وغزوة بعد غزوة ، ومرحلة بعد مرحلة . . وأن الزمان قد استدار اليوم كهيئته يوم بعث الله محمدا [صلى الله عليه وسلم ] ليدعو الناس - في جاهليتهم - إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فجاهد والقلة التي معه حتى قامت الدولة المسلمة في المدينة . وأن الأمر بالقتال مر بمراحل وأحكام مترقية حتى انتهى إلى تلك الصورة الأخيرة . . وأن بين الناس اليوم وهذه الصورة أن يبدؤوا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول . . ثم يصلوا - يوم أن يصلوا - إلى هذه الصورة الأخيرة بإذن الله . . ويومئذ لن يكونوا هم هذا الغثاء الذي تتقاسمه المذاهب والمناهج والأهواء ؛ والذي تتقاسمه الرايات القومية والجنسية والعنصرية . ولكنهم سيكونون العصبة المسلمة الواحدة التي ترفع راية:لا إله إلا الله . ولا ترفع معها راية أخرى ولا شعارا ، ولا تتخذ لها مذهبا ولا منهجا من صنع العبيد في الأرض ؛ إنما تنطلق باسم الله وعلى بركة الله . .
إن الناس لا يستطيعون أن يفقهوا أحكام هذا الدين ، وهم في مثل ما هم فيه من الهزال ! إنه لن يفقه أحكام هذا الدين إلا الذين يجاهدون في حركة تستهدف تقرير ألوهية الله وحده في الأرض ومكافحة ألوهية الطواغيت !
إن فقه هذا الدين لا يجوز أن يؤخذ عن القاعدين ، الذين يتعاملون مع الكتب والأوراق الباردة ! إن فقه هذا الدين فقه حياة وحركة وانطلاق . وحفظ ما في متون الكتب . والتعامل مع النصوص في غير حركة ، لا يؤهل لفقه هذا الدين ، ولم يكن مؤهلا له في يوم من الأيام !
وأخيرا فإن الظروف التي نزل فيها قول الله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ، واعلموا أن الله مع المتقين . .
تشير إلى أن أول المقصودين به كانوا هم الروم . . وهم أهل كتاب . . ولكن لقد سبق في السورة تقرير كفرهم الاعتقادي والعملي ، بما في عقيدتهم من انحراف ، وبما في واقعهم من تحكيم شرائع العبيد . .
وهذه لفتة لا بد من الوقوف عندها لفقه منهج هذا الدين في الحركة تجاه أهل الكتاب ، المنحرفين عن كتابهم ، المحتكمين إلى شرائع من صنع رجال فيهم ! . . وهي قاعدة تشمل كل أهل كتاب يتحاكمون - راضين - إلى شرائع من صنع الرجال وفيهم شريعة الله وكتابه ، في أي زمان وفي أي مكان !
ثم لقد أمر الله المسلمين أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار وليجدوا فيهم غلظة ، وعقب على هذا الأمر بقوله:
إن الله يحب المتقين . .
ولهذا التعقيب دلالته . . فالتقوى هنا . . التقوى التي يحب الله أهلها . . هي التقوى التي تنطلق في الأرض تقاتل من يلون المسلمين من الكفار ؛ وتقاتلهم في"غلظة"أي بلا هوادة ولا تميع ولا تراجع . . حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .