وفي رمضان أيضًا تحد كبير للعولمة الفكرية التي تبث أفكارًا غربية تروج لفكرة التمتع بالشهوات المادية والجسدية دون أية ضوابط أو تحمل للمسئولية ، مدّعين أن إطلاق العنان للشهوات يساعد على حصول الإنسان على حريته وسعادته ، في حين أن الصوم يثبت أن السعادة والحرية الحقيقيتين لا تكون بالتمتع بالشهوات بل في الترفع عنها ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:"ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، و ثلث لشرابه ، وثلث لنَفَسه"، رواه الترمذي .
لهذا جاءت أقوال بعض العلماء في الماضي والحاضر تؤكد على أن السعادة ليست في التمتع بالشهوات وإنما في ضبطها ووضعها الموضع الصحيح الذي لا يحط من إنسانية الإنسان ، فقد قال أحد علماء الإسلام:"إن السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه ، والشقاوة في أن تملكه نفسه". وأكبر دليل معاصر على عدم وجود ترابط بين المادة والسعادة ما أشار إليه أحد علماء الغرب وهو"روبرت رايت الباحث في جامعة بنسلفانيا"من أنه لا تلازم بين مسار المال والرخاء المادي مع السعادة ،إذ تبين أن الدول الفقيرة أكثر سعادة من الدول الغنية التي تتمتع بكل أسباب الرفاه المادي.
وفي رمضان أيضًا تحد كبير للعولمة الاقتصادية التي تسعى لفرض نظام موحد قائم على الفردية ونبذ الآخر وإغراقه بالديون والضرائب التي تزيده تبعية وفقرًا في الوقت نفسه الذي تزيده هو استغلالًا وغنى ، وهذا الكلام ينطبق مع الفكرة"الأساسية للرأسمالية التي تقوم على القول بأنه من لا يستطيع كسب قوته ينبغي أن يموت !!! وهناك أصوات في الغرب الاقتصادي تنادى بأن المليار من فقراء العالم الثالث ، كما يطلق على المجتمعات ذات الاقتصاد المتخلف ، زائدون عن الحاجة لذا يجب الخلاص منهم لأن البقاء هو للأقوى".
لهذا جاء الصوم في هذا الشهر لينقد هذه النظرية وليثبت حق الفقير بمال الغني إن كان عن طريق الصدقة أو عن طريق الزكاة ، فقال تعالى: ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) ، الذاريات ، آية 19. وقال أيضًا: ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ،التوبة ، 103.
هذا ويوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسؤولية التي تقع على عاتق المؤمن بتوجيهه للمؤمن أن يتصدق بفضل ماله على أخيه ، فقال صلى الله عليه وسلم:"من كان معه فضل ظَهر فليَعُد به على من لا ظهر له ، ومن كان معه فضل من زاد ، فليعد به على من لا زاد له"رواه مسلم .
وإذا كان هذا الحكم عامًا في كل الأوقات فهو أشد رسوخًا في شهر رمضان حيث تكثر فيه الأحاديث التي تشجع على إفطار الصائم والتصدق على الفقراء والمساكين ، وقد ورد في السنة النبوية الشريفة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جوادًا وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يأتيه جبريل فيتدارسان القرآن ، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة"، رواه البخاري .
هذا من ناحية الصدقة وإطعام الفقير والسكين ، أما بالنسبة للزكاة فإن في قيام كثير من المسلمين بأداء فريضة الزكاة في مثل هذا الوقت من كل عام مساهمة في رفع الضيم عن الفقير وابن السبيل ومساهمة في إعمار وتنشيط بعض المرافق الضرورية من أجل رفع مستوى حياة المسلم وإشعاره بإنسانيته .
وفي رمضان أيضًا تحد آخر للعولمة الاجتماعية التي تسعى إلى عزل الإنسان عن أسرته ومجتمعه ، فيأتي الاجتماع العائلي على الطعام ليوحّد العائلة المفتتة من جديد ، وليظهر تمسك المسلم بنظامه الاجتماعي القائم على حب أفراد العائلة لبعضهم البعض ، وسعيهم لمرضاة رب العالمين وحده الذي حدد لهم أهدافهم في الحياة .
فإذا أخذنا المرأة التي هي ركن البيت المسلم نجدها في رمضان أكثر تحديًا لنظام العولمة الذي يحاول ان يفرض عليها مبادئه الداعية إلى رفض نظام الأسرة التقليدي القائم على القوامة والطاعة وما إلى ذلك من مفاهيم تسعى إلى تقويض بنى الأسرة ، فنجد المرأة في هذا الشهر مهما كان انشغالها تسعى إلى تأمين اللقمة الطيبة لعائلتها دون أي مبالاة بمن يجد في العمل المنزلي إنقاصًا لكرامتها .
وإذا أخذنا الزوج ورب الأسرة وجدنا في اجتماعه اليومي بأسرته وتركه العمل والجري وراء لقمة العيش تأكيدًا على مبدأ المودة والرحمة التي تبنى عليها الأسرة المسلمة ، وينعكس هذا اللقاء اليومي لمدة شهر راحة واطمئنانًا على أفراد الأسرة وخاصة الأولاد الذين قد يعانون من قلة هذه اللقاءات خلال السنة ، وصدق الشاعر حين قال:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من همّ الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أمًا تخلّت أو أبًا مشغولا
كما تأتي العلاقات الاجتماعية بين أفراد المسلمين وتزاورهم وتوادهم في رمضان ، لِيُثبت أهمية تماسك المسلمين فيما بينهم وتراصهم الذي حث عليه الإسلام، ويتجلى هذا الأمر في تصرفات المسلم المتنوعة ، والتي منها:
1-امتلاء المساجد ودور العبادات بالمسلمين من مختلف الأعمار والجنسيات مثبتين المساواة بين المسلمين كافة ، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، ومثبتين أيضًا تمسكهم بالجماعة التي بيّن فضائلها رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله:"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان . فعليكم بالجماعة ، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، رواه أبو داود .