فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 1037

أحدهما عبد مشترك لمالكين متعددين بينهم خلاف ونزاع شديد، كل شريك منهم يأمر ذلك العبد بأمر يخالف أوامر شركائه الآخرين ويصر على أن يطيعه في أمره، وطاعته لأحدهم معصية لأمر كل واحد من شركائه الآخرين، فلا يستطيع أن يرضي كل واحد من هؤلاء الشركاء، بل سيكونون كلهم ساخطين عليه، وسيعيش في حيرة وضنك وشقاء.

وثانيهما: عبد لرجل واحد لا يأمره ولا ينهاه إلا هو.

فأي العبدين أقرب إلى الحرية: الأول الذي فيه شركاء متشاكون، أم الثاني الذي هو عبد لرجل واحد؟!

المثل الأول لمن استعبده غير الله-أيا كان هذا الغير-والمثل الثاني لمن تمحضت عبوديته لله وحده، ولله المثل الأعلى.

وإنك لترى الرجل الضعيف المغلوب على أمره، الذي اعْتُدِيَ على نفسه وماله وعرضه وحرم من التمتع بحقه في الحياة فسجن أو أسر، وقد تمحضت عبوديته لله وحده، ولكنه حر قلبه مطمئن باله، وهو واقف مثل الجبل الراسي أمام الطغاة المعتدين الأقوياء غير مبال، وعنده إرادة قوية على تحرير جسمه من الأسر كما تحرر قلبه، لأنه يأوي إلى ركن شديد.

وترى الرجل الغني ذا السلطة والجند والجبروت، قد خضعت له الرقاب، ودانت له الأمراء ووقف بأبوابه الحجَّاب، فإذا سبرت أمره واختبرت سره، وجدته عبدا ذليلا لنفسه وشهوته وهواه، بل وجدته مستعبدا لبعض من هم في الظاهر عبيده، وهم أعوانه الذين يستند في طغيانه على عونهم، ويستنجد في ملماته بهم، فهو في ظاهره سيد، وفي حقيقته عبد كالعبيد.

وفي معنى الحرية الحقة والعبودية المذلة قال ابن تيمية رحمه الله: (.. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرِق، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب-الذي هو الملك-رقيقا مستعبدا لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض.. فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب...-إلى أن قال-: وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم... فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم..) [مجموع الفتاوى: (10 / 186-189) .]

وبهذا يعلم أن الحرية التي يزعم ساسة الغرب ومفكروه-ومن انخدع بهم من ذراري المسلمين-أنهم أهلها وحماتها والداعون إلى تطبيقها، ليست هي الحرية الصحيحة التي ينشدها العالم اليوم، بل هي في حقيقتها عبودية مذلة لآلهة شتى يصعب حصرها. فهي من إطلاق الأسماء على غير مسمياتها، كإطلاق (المشروبات الروحية) على (الخمر) التي تذهب العقول وتسلب الأرواح والقلوب حياتها، وكإطلاق (النجوم) التي يُشَبَّه بها دعاةُ الخير وهداةُ العالمَ [كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) .] على من مسخوا الفطر ونشروا المنكر والخنا من المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات.. وكإطلاق لفظ (الملهمين) و (الرواد) على رجال السياسة الخرقاء الذين باعوا العباد والبلاد لأعداء الأمة الإسلامية....

تنبيه مهم:

ومع أن العبودية لله هي الحرية الحقة، وعبودية ما سواه عبودية مذلة، فإن الكافر بالله المتصف بالعبودية المذلة لا يُكرَه على الدخول في الإسلام ليتحرر من تلك العبودية المذلة، وإنما يبين له الحق وتقام عليه الحجة، ثم يترك له الخيار بين الحريتين، لأن إكراهه على الدخول في الإسلام-بل في أي دين من الأديان-غير ممكن في الواقع لأن أصل الإيمان في القلب، و لا سلطان لغير الخالق على قلوب العباد، والذي يظهر دخوله في أي دين تحت الإكراه لا يكون مؤمنا في الحقيقة بذلك الدين، ولهذا قال تعالى: (( لا إكراه في الدين ) (لا) هنا نافية للجنس أي لا إكراه مشروع ولا إكراه واقع، بمعنى أن الإكراه على اعتقاد الدين غير مشروع، ولو حصل إظهار الْمُكرَه دخوله في الدين المكره على الدخول فيه فدخوله غير واقع في حقيقة الأمر، لأن الاعتقاد يكون بالقلب، ومن ذا الذي يقدر على إدخال أي دين إلى قلب أي إنسان لا يريده؟. ولهذا يطلق بعض الكتاب عبارة: (إن حرية الاعتقاد هي أول ,, حقوق الإنسان) . ومرادهم بالحرية هنا أن الإنسان يدخل في الدين باختياره ولا يمكن إكراهه على ذلك وليس مرادهم أنه حر القلب والعقيدة بالمعنى الذي شرحناه، ولهذا عذر تعالى من أظهر الكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان، كما قال تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ).

خامسا: غرس الإيمان بالغيب في النفوس.

إن الإنسان الذي لا يؤمن إلا بما تدركه حواسه، مباشرة أو بالآلات التي يصنعها، لا فرق بينه وبين الحيوان إلا بسعة أفقه، لما ركبه الله فيه من عقل وتصرف بأدوات تعينه على ذلك. وسعة أفقه هذه التي فرقت بينه وبين الحيوان، هي التي أهلته لمعرفة ما ظهر له من الكون القريب.

والذي لا يؤمن بالغيب لا يمكن أن يعبد الله، لأن الله تعالى من الغيب، ولا يعرف تعالى إلا بآثار خلقه المشهودة ووحيه.

والذي لا يؤمن بالغيب لا يمكن أن يؤمن بالوحي الإلهي والكتب المنزلة والرسالة، ولا باليوم الآخر، ولا بالملائكة المقربين، لأن ذلك كله من الغيب.

وعدم الإيمان بالغيب يفضي إلى تسيب الإنسان وعدم التزامه بمنهج الله، واتباعه لهواه، فيتصرف في حياته كما يشاء لا يرده عن هواه إلا القوة المادية القاهرة، فإذا ظن أن تلك القوة-كالشرطة والقضاء والعقوبات الرادعة-لا تناله، أتى على كل ما يقدر عليه دون مراعاة لحقوق غيره، لأنه لا يؤمن بالله حتى يطمع في ثوابه ويخاف من عقابه، وهكذا يدمر ويفسد ولا يبالي شيئا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت