إن ما طالب به هؤلاء هو في حقيقته تغيير دستور البلاد . وفي كل بلاد العالم التي تحتكم إلى دساتير وضعية لا يستطيع حزب أن يغيّر الدستور إلا إذا ملك أغلبية الثلثين فأكثر من نواب الأمة أو صوّت الشعب للتعديل بنفس الأغلبية في استفتاء عام ، أما أن يكتب أشخاص ورقات ويجمعوا عليها توقيعات فتنقلب الأمة على دستورها فهي سابقة خارقة لا نظير لها أبدًا .
ولو أن أهل السنة أو الإسماعيلية أو غيرهم في إيران جمعوا ملايين التوقيعات لما غيّرت جمهورية إيران دستورها الذي ينص على التمذهب بالمذهب الشيعي الإثنا عشري دون غيره من مذاهب الشيعة أو السنة. وإذا كان هذا حال الدساتير الوضعية فهل يملك أحد أن يغير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعقيدة أهل السنة والجماعة أو إبطال ما يعارض مذهب الشيعة منها أو تعليق العمل به . ولا سيما في دولة ما قامت أصلًا ولا اجتمع الناس حولها إلا على هذا الدستور الفريد المعصوم الذي ما عاداه جبار إلا قصمه الله ، وما القرامطة والصليبيون والتتار إلا أمثلة لذلك .
إن هذا التغيير لو حدث كما يطالب هؤلاء سيحوّل حكومة هذه البلاد إلى إحدى حكومتين لا ثالث لهما:
1-إما حكومة شيعية تضطهد من يخالف عقيدة الشيعة من السنة والطوائف الأخرى ، وهذه هو معنى ألا يتحدث أحد ولا يفتي ولا ينشر شيئًا يخالف عقيدة الشيعة . أما الشيعة فلهم الحرية المطلقة في هذا كما تضمنت المطالب .
2-وإما حكومة علمانية لا دينية تفتح باب الصراع الديني على مصراعيه باسم الحرية ، وهذا سيؤدي إلى سقوط شرعيتها وإيقاد نار الحرب الأهلية التي إذا اشتعلت فلن يطفئها أحد . وهذا ليس من مصلحة الشيعة أنفسهم فإن الأكثرية إذا استثيرت سوف تفعل ما قد يصل إلى استئصال الأقلية من الوجود وما حدث في لبنان عبرة لمن اعتبر ، مع أن نسبة الشيعة هنا لا تساوي شيئًا إذا قيست بنسبة بعض القرى النصرانية في لبنان قبل الحرب الأهلية التي خسرت الكثير بعدها .
إن الشيعة يهددون تلميحًا وتصريحًا بأنه إذا لم تعطهم الحكومة ما يريدون فسوف يتحالفون مع العدو الأجنبي وهذا يكشف عن حقيقة ما يريدون وأنه الابتزاز وليس الوحدة الوطنية !!. إنهم هم الذين قدموا للأمريكان نماذج من مناهج التعليم يقولون إنها ضد اليهود والنصارى لكي يساعدهم الأمريكان في تغيير المناهج التي تخالف عقائد الشيعة وليس وراء هذا من ابتزاز للدين والوطن .
ومعلوم أن التحالف بين الأقليات وبين أعداء الأمة سُنّةٌ متّبعة ، فتاريخ الدروز مع الإنجليز ، والنصيرية مع الفرنسيين ، لا يختلف أبدًا عن تاريخ الموازنة مع اليهود في لبنات ، أو اليهود مع الحلفاء في تركية ، والنتيجة في كل الأحوال تدمير عقيدة الأكثرية وكيانها ووجودها .
الشيعة فرق شتى يقاتل بعضها بعضًا ويكفره في كل مكان ، والمتقدمون بالطلب هم فئة منهم فقط ، فلينتبه إلى أساليبهم في التنافس والمزايدة في المطالب بغرض كسب الأتباع وليس الحرص على حقوقهم المزعومة ، وقد اعترف حمزة الحسن بأن عريضة المطالب تضم شيوعيين وعلمانيين ، فإذا كان الموقعون غير متفقين فيما بينهم على منهج دراسي أو دَعَوي فماذا يريدون أن يفرضوا على الأمة كلها - ومنها الفرق الشيعية التي تناصبهم العداء - ؟
بعض الناس ينافق الشيعة ويتحدث هو الآخر عن حقوقهم بنفس لغتهم وهو لا يدري ما هي الحقوق وإلى أين تنتهي ، وهو بذلك يوقظ فتنة وشقاقًا دون أن يشعر ، ولو أنه كان في منصب إداري واستجاب لما يريدون هم أو غيرهم فسيجد نفسه مسخّرًا لتنفيذ مطالب متناقضة من كل طائفة ، وفي النهاية لا بد أن يضع حدًا يقف عنده الجميع . وهذا الحد يجب أن يوضع الآن على أساس من الدستور المحكم كتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين في أهل البدع .
وأسوأ من هذا أن تستجيب الحكومة لهذه الطائفة أو تلك، فتبدأ سلسلة من التنازلات لا حدّ لها ، ومن أخطر الأمور على وحدة الأمة أن يصبح في البلد مناهج مختلفة للتعليم ، وأجهزة مختلفة للقضاء ، وما أشبه ذلك من مقدمات التقسيم والتفتيت .
ومعلوم أن للشيعة تاريخًا طويلًا مع من يولِّيهم ويدنيهم ويجعلهم يتحكمون في أمور الأمة ، وليس ما حدث أيام"بني بويه"ثم ما فعله"ابن العلقمي"من الانحياز لهولاكو والإشارة بقتل الخليفة العباسي الذي هو من أهل البيت إلا نماذج من ذلك .
إذا تحدث بعض الشيعة المقيمين في الخارج عن الظلم والاضطهاد .. الخ ، في قناة الجزيرة أو غيرها، فيجب على أصحاب المراكز في الحكومة والكتاب الأثرياء من الشيعة أن يردوا عليهم ويكذبوهم ، وإلا ما فائدة مداهنتهم وإعطائهم فوق ما يستحقون من المناصب والمناقصات .
وما جدوى فتح الإعلام لهم ؟ أم أن هذا توزيع للأدوار بينهم ؟
ويبقى هنالك أمران:
الأول: أنه لا إكراه في الدين ، فالاعتقاد خارج عن سيطرة البشر أصلًا ، وهداية التوفيق لا يملكها إلا الله وحده ، ولكن واجب الحاكم المسلم ألا يدع فئة من الرعية تجاهر بأعظم الذنوب وهو الشرك بالله تعالى ، وتعلن شعائر مجوسية قديمة مثل اللطم والضرب في المآتم وأمثالها من الأعمال التي تتنافى مع الإنسانية ، والتي أصبح كثير من شباب الشيعة - ولله الحمد - يرفضها . والمجاملة في هذا غش للشيعة أنفسهم ولا يجوز للراعي غش الرعية ولو كان ذلك بطلب منهم .
الثاني: أن الشريعة توجب العدل بين المواطنين على أسس لا تخالف المشروعية العليا للأمة ، وليس هذا مقام التفصيل ولكن أذكر على سبيل المثال:
1-العدل في الحقوق الدنيوية: مثل الخدمات التي تقدمها وزارة البلديات والطرق وبناء المدارس والمستشفيات ونحوها .