الجواب: جاء حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) في استحباب قراءة سورة الكهف. وحديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) وقع فيه اختلاف في أمرين:
1)في رفعه ووقفه، والراجح هو الوقف، لكن مثل هذا ما يقال بالرأي فيكون له حكم الرفع.
2)أنه وقع اختلاف ما بين هشيم وما بين سفيان الثوري وشعبة، ففي رواية هشيم عن حصين تقييد قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة هذا في رواية هشيم عن حصين، وأما رواية شعبة والثوري: فلم يقيدا قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة وإنما: من قرأ سورة الكهف أضاء له نور ما بين الجمعتين، أو كما جاء في الحديث بدون أن يقيد ذلك بيوم الجمعة، ورواية شعبة والثوري أرجح والله أعلم. وذلك لأنهما من كبار الحفاظ، ولاجتماعهما على هذه اللفظة مع أن هشيم من أثبت الناس في حصين هشيم بن بشير، لا شك أنه حافظ ومن كبار الحفاظ وأثبت الناس في حصين بن عبدالرحمن السلمي، ولكن اجتماع شعبة والثوري مع جلالة قدرهما ومكانتهما في العلم والحفظ والإتقان: فروايتهم أرجح.
لكن لو أن الإنسان قرأ سورة الكهف يوم الجمعة يكون عمل بكلا الروايتين برواية هشيم ورواية شعبة والثوري لأنه إن كانت رواية شعبة والثوري هي الأرجح فيكون أيضًا عمل باللفظ الذي رواه شعبة والثوري لأن رواية شعبة والثوري كما تقدم بدون أن يقيد هذا بيوم. فمن قرأ سورة الكهف ينطبق عليه الفضل الذي جاء في الحديث. وإن كانت رواية هشيم هي الراجحة يكون أيضًا قد عمل برواية هشيم فقرأها في يوم الجمعة.
س9: ما القول الراجح في ابن لهيعة؟
الجواب: عبدالله بن لهيعة الحضرمي المصري من كبار أهل العلم في بلاد مصر في زمانه، وكان قاضي مصر (رحمه الله) ، وكان مكثرًا جدًا من الحديث والرواية، فهو من أهل العلم والفضل، ولكنه رحمه الله لم يكن بالمتقن ولم يكن أيضًا بالحافظ (رحمه الله) ، وخاصةً في حديثه المتأخر، فلذلك وقعت أحاديث منكرة في حديثه ووقع في أوهام في روايته، وهذا مرجعه إلى أشياء منها:
1)عدم إتقانه وحفظه.
2)أنه ما كان يحدث من كتابه، هو حدث قديمًا فيما سبق من حياته حدث من كتابه ثم بعد ذلك لم يحدث من كتابه، وإنما يقرأ من كتب الناس أو يأتي إليه أناس ويقولون هذا من حديثك فيقرؤون عليه، ثم بعد ذلك يروون هذه الأحاديث، فلا شك أن مثل هذا أوقعه في أوهام وأخطاء.
3)تدليسه: فكان يدلس، وأحيانًا كان يسقط راويين، فهذا أيضًا من الأسباب التي أدت إلى أن يقع في حديثه ما وقع من المنكرات والأخطاء.
والخلاصة في حديثه رحمه الله أنه على ثلاثة أقسام:
1)القسم الأول: وهو أصح حديثه وهو ما حدث به قديمًا، وممن سمع منه قديمًا عبدالله بن وهب، والدليل على هذا هو حديث، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال:"لو أن القرآن كان في إيهاب لما احترق". هذا الحديث حدث به ابن لهيعة. قال ابن وهب: لم يكن ابن لهيعة يرفع الحديث من قبل، يعني ثم بعد ذلك رفعه. ورفع هذا الحديث منكر فعبدالله ابن وهب سمع هذا الحديث من ابن لهيعة قديمًا ولم يكن يرفعه، ثم سمعه منه عبدالله بن يزيد المقرئ. وعبدالله بن يزيد المقرئ أيضًا ممن روى عنه قديمًا ولكن ابن وهب أقدم من عبدالله بن يزيد المقرئ وأكثر ملازمة لعبدالله بن لهيعة، ولذلك بيّن عبدالله بن وهب أن هذا الحديث ما كان ابن لهيعة يرفعه من قبل، يعني ثم بعد ذلك رفعه، فسمعه منه عبدالله بن يزيد المقرئ فرفع هذا الحديث منكر. وهذا القسم لا يحتج به. وسوف يأتي بإذن الله لماذا لا يحتج به.
2)القسم الثاني من حديث عبدالله بن لهيعه: هو ما حدث به قديمًا، وما رواه قبل أن تحترق كتبه. ومن سمع منه من كتابه، فهذا القسم الثاني هو يلي القسم الأول وأقوى من القسم الذي سوف يذكر وهو القسم الثالث. والسبب في هذا القسم هو أن ابن لهيعة (رحمه الله) احترقت كتبه، فزاد ضعفه بعد احتراق هذه الكتب.
وبالمناسبة فقد أختلف هل احترقت كتبه أم لم تحترق: فهناك من نفى أن تكون كتبه قد احترقت. ووجه الجمع (والله أعلم) أن كثيرًا من كتبه قد احترقت أو جزء من كتبه قد احترق وبعضها لم يحترق. وهناك ما يدل على ذلك، جاء ما يدل على أن بعض كتبه بقيت، وحتى سمع من ابن لهيعة من كتبه من سمع منه أخيرًا، فجزء من كتبه قد احترق.
فهذا الذي حصل زاده ضعفًا، وأيضًا كما ذكرت فيما سبق أن ابن لهيعة كما ذكر في ترجمته من قبل بعض أصحابه أنه حدث من كتبه قديمًا ثم بعد ذلك ما أخرج كتبه إلا من يأتي إليه ويسأله أو يقف على بعض كتبه فيسمع منه من كتابه وإلا فيما بعد أخذ يكثر من الحديث من حفظه فلذلك ازداد ضعفًا على الضعف الموجود فيه. فلذلك يقال أن من سمع منه قديمًا ومن روى عنه قبل أن يتغيرقبل أن تحترق كتبه ومن سمع منه من كتابه أو من كتب عمن كتب عنه مثل قتيبة بن سعيد. قتيبة بن سعيد كتب عمّن كتب عنه ولذلك أثنى الإمام أحمد على رواية قتيبة بن سعيد.
3)القسم الثالث، من سمع منه أخيرًا بعد احتراق كتبه وسمع منه من حفظه.
فهذه أقسام حديث ابن لهيعة.
طبعًا كل هذه الأقسام لا يحتج بها. لماذا؟ لأن جل الحفاظ، أكثر الحفاظ على تضعيف عبدالله بن لهيعة مطلقًا، كما قال يحيى بن معين:"كان ضعيفًا قبل الاختلاط وبعده". فجلّ الحفاظ على تضعيف حديثه مطلقًا بدون تفصيل، ولذلك قال أبو الحسن الدرقطني:"يعتبر برواية العبادلة عنه"، ما قال:"تُصحح"، وإنما قال:"يُعتبر"يعني لأنهم سمعوا منه قبل أن تحترق كتبه.