فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 1037

إن مقتضى » الكتاب والسنة والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات أن ذلك لا يكون إلا بأن يصبح هؤلاء من » أهل الذمة « فيلتزموا بأحكام » أهل الذمة « ، » ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون « أما كتاب ربنا الكبير المتعال ففيه قوله: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [التوبة: 29] .

وأما سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-المؤيد من ربه ، والذي لا ينطق عن الهوى ففيها الكثير نذكر منها حديث بريدة الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه وفيه: » اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله .... . ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم .. « [1]

فالكتاب والسنة « يبينان أن السيف لا يرفع عمن يرفع عنه من الكفار إلا ببذل الجزية عن يد وهم صاغرون ، وذلك التزام بأحكام » أهل الذمة « .

وأما » الفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات « ، فارجع إليه وانظر في جميع كتب أهل العلم الفقهية بدون استثناء لتجد الآيات والأحاديث وأحكام » أهل الذمة « المبنية عليها ولتعلم أن دار الإسلام ، لا يقيم فيها كافر إقامة دائمة إلا إذا خضع لأحكام » أهل الذمة « ، وبمقتضى هذا الخضوع يأمن أهل الذمة على أنفسهم وأهليهم وأموالهم .

وعلى هذا فقول بيان الجماعة: » إن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة « ، لم يعتمد على الكتاب ولا على السنة ولا على الفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات ، بل جاء مناقضًا لكل ذلك .

إن ما يقوله البيان هنا يعنى أن مصطلح » أهل الذمة « والأحكام المرتبطة به قد انتهى ، وأن بيان الجماعة قد استخرج له شهادة الوفاة ، وكفنه ودفنه في ثياب » المواطنة والجنسية « لكنها شهادة مزورة وثياب دنسة ، وستبقى الأحكام الشرعية ثابتة شامخة رغم كل البيانات .

فيا أصحاب البيان: خبرونا ماذا تفعلون بنصوص كتاب ربنا وسنة نبينا وبعمل الخلفاء الراشدين وأقوال الأئمة وتصانيف العلماء التي تحدثت عن أهل الذمة وأحكامهم ، ماذا تفعلون بهذا ؟ أتقولون: إن بيانكم نسخ تلك الأحكام ؟ ! وهل يملك أحد من المسلمين أن ينسخ أحكام الشرع ، أو أن يبدلها ويغيرها حسب هواه ؟ !

وربما قد يعجب بعض القراء ، وقد يستغرقون في الضحك الشديد ويقولون:

(ياعم: أين أنت الآن ، وفيم تتكلم ، وعن أية جزية أو صغار ، وأين هذا الجهاد الذي تتحدث عنه ، وهل نستطيع أن نفرض ذلك على الكفار ، ونحن الذين في الحقيقة نكاد ندفع لهم الجزية عن يد ونحن صاغرون) .

وأنا أقول لصاحب مثل هذا الكلام:

أولًا: أن ذلك ليس كلامي جئت به من عند نفسي ، وإنما هو نصوص الشرع وأقوال أهل العلم ، ونحن جميعًا مطالبون بالالتزام بذلك وعدم الخروج عنه .

ثانيًا: أن المرء منا قد تمر به فترات ضعف أو عجز وسواء أكان هذا الضعف أو العجز خارجًا عن إرادته فيكون معذورًا ، أو كان ضعفًا وعجزًا ناتجًا عن تقصير وجبن وخور فلا يكون معذورًا لا يتمكن معها من الصدع بكلمة الحق أو الجهر بها أو العمل لها وإلزام الآخرين بها ، لكن ليس البديل عن ذلك هو التحريف والتبديل ، فإذا لم يتمكن المرء من قول الحق أو فعله فلا أقل من الصمت ، أما النطق بالباطل والدعوة إليه وتزيينه للناس فمن من المسلمين يقبله ؟ !

وإذا لم يستطع جيلنا القيام بذلك على الوجه المطلوب ، فلا أقل يا أخي من أن نترك للأجيال القادمة المفاهيم صحيحة غير مبدلة والثوابت غير محرفة فلعل الله سبحانه يحقق على أيديهم ما عجز جيلنا عن تحقيقه (وإن كان لنا أمل في الله تعالى أن يحقق نصر الإسلام على يد هذا الجيل) .

ثالثًا: ونمضي مع البيان حيث يذكر: » وإن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات « وهذه هي النتيجة المنطقية طالما تم إلغاء أحكام أهل الذمة وهي في نفس الوقت تمثل الطلب الذي طالما ألح الكفار في الحصول عليه ، وهو المساواة التامة في دار الإسلام بين المسلمين والكفار ، فياسبحان الله ما أشد ظلم هذه المساواة التامة وما أكثر مرارتها !

لكننا نمضي مع البيان ليفسر لنا هذه المشاركة الكاملة والمساواة التامة حتى يكون كلامه هو الشاهد عليه ، يقول بيان الجماعة: » وبمقتضى هذه المواطنة وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده ، ترى (الجماعة) أن للنصارى الحق في أن يتولوا باستثناء منصب رئيس الدولة كل المناصب الأخرى من مستشارين ومديرين ووزراء .

لقد أصبحت » المواطنة « في فقه تلك الجماعة أصلًا شرعيًا ، وقاعدة تُفَرّع عليها الأحكام وتؤخذ منها التفاصيل ، فها هو ذا يقول: » وبمقتضى هذه المواطنة « ولم ينس البيان أن يضيف إلى هذا الأصل أصلًا آخر ليناقض به الأحكام الشرعية ألا وهو قوله: » وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده «

فهل تلك الحجج الباردة التي قدمها البيان: » (المواطنة « ) وحتى لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده « هل تصلح تلك الحجج ، لمعارضة الأحكام الشرعية الثابتة !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت