والله المستعان وعليه التكلان ولا حول لا قوة إلا بالله العلي العظيم .
هذا وقد أجريت تغييرًا في ترتيب الأسئلة وصنفتها حسب موضوعاتها ولم ألتزم ترتيبها الأصلي. وسوف أثبت في آخر الأجوبة مجموعة الأسئلة حسب ترتيب واضعيها .
المساواة
المساواة في البشر ترجع إلى مدى تطابقهم وتماثلهم في الصفات الخَلْقية والخُلُقية فكلما تطابقت هذه الصفات أو تقاربت كانت المساواة والمماثلة أدق وأقرب وإذا تفاوتت لزم التفاوت في الآثار .
وأخذًا من هذه المقدمة فمن المتعذر الجزم بالتساوي المطلق بين بني البشر غير أننا نقول إن الأصل هو التساوي في الحقوق والواجبات لوجود الحد الأدنى من التماثل في القدرات البدنية والكفاءات الذهنية التي تجعلهم قادرين على فهم النظم والقوانين واستيعابها وتطبيقها والاستجابة لها والمحاسبة عليها ولكن من المعلوم أن أصل خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق مما يجعل هناك موانع جبلية واجتماعية وسياسية على نحو ما هو مثار في الأسئلة .
وبعض هذه الموانع قد يكون مؤقتًا وقد يكون دائمًا وبعضها قد يكون قليل الحصول وقد يكون أغلبيًا .
غير أن أثر كل مانع مقصور على نفسه فلا يمنع المساواة في الحقوق الأخرى . فصاحب الخُلُق الفاضل لا يساوي دنيء الخلق في مجاله لكنه لا يمنع التساوي معه في الحقوق الأخرى ، والذكي لا يساوي الغبي ، والمرأة ليست كالرجل في صفاتها ومواهبها وقدراتها (( وسيأتي للكلام عن المرأة موضوع مستقل إن شاء الله ) ).
هذه بعض الموانع الجبلّية الخَلْقية .
ومن الموانع الاجتماعية أي الموانع التي اتفق عليها المجتمع نتيجة للتجارب وممارسة الحياة وهي في حقيقتها راجعة إلى القناعة العقلية المؤكدة للتفاوت في هذه الصفات . منع التساوي بين العالم والجاهل فإن الناس متفقون على أن الجاهل لا يستحق الصدارة في المسئوليات والاعتماد عليه في قضايا الأمة وشؤون المجتمع .
ومن الموانع السياسية ما يتفق عليه أهل الحكم والإدارة من منع بعض الفئات من تولي مسئوليات في الدولة لأسباب سياسية أو عسكرية وهو أمر معترف به بين الأمم من غير إنكار وذلك كمنع الأجنبي من تولي مسئولية من المسئوليات الحكم في الدولة حيث تقصر هذه الولايات والوظائف على الوطنيين ومثله حق الانتخاب والمنع من بعض الحرف والاستثمار .
والتنظيم الخاص بالعسكريين والدبلوماسيين ومنعهم من الزواج بالأجنبيات وأمثال ذلك كثير، ويندرج في ذلك منع الذميين في دولة الإسلامية من تولي بعض الولايات .
ومثله منع أهل الذمة من الزواج بالمسلمات مما سيأتي له مزيد تفصيل .
ويمكن اعتبار المثالين الأخيرين من الموانع الشرعية لأن هذه أحكام مقررة في الشريعة الإسلامية وهي ترجع - كما يلاحظ القارئ - إلى أمور منطقية أعراف اجتماعية صحيحة .
هذه أمثلة يمكن من خلالها فهم الضوابط ومن ثمَّ القناعة بعدم إمكان المساواة المطلقة بين الناس .
بل لو قيل بالمساواة المطلقة لترتب على ذلك أمور لا يطيقها البشر ولأدَّى بالناس إلى إهمال مواهبهم وإهدار طاقاتهم وذلك فساد قبيح ظاهر يؤول إلى اختلال نظام العالم في إلقاء المميزات والحقوق التي تقود إلى البناء والإصلاح وتقدم العالم . وانهيار الشيوعية الذي نشهده هذه الأيام برهان ماثل لأهل العقل والحكمة .
وإذا كان الأمر كذلك فإن التفاوت في المواهب واستغلالها وطريقة الاستفادة منها يترتب عليه تفاوت مادي فيما يستحقه كل صاحب موهبة يفيد منها أهله ومجتمعه . ومن أجل هذا برز الترتيب الوظيفي في رؤساء المصالح ومديريها ومن دونهم .
والشريعة الإسلامية وتمشيًا مع الفطرة السليمة - لا يمكن أن تدعو إلى مساواة تُلْغِي فيها هذه الفروق الفردية والمواهب الشخصية والتمايز الموجودة بين بني الإنسان مما له أثر في صلاح العالم أفرادًا ومجموعات وذلك الصلاح والإصلاح هو غاية الشريعة ومقصدها .
إذن هذا هو التفاوت المؤثر والمقتضي للمنع من المساواة عند وجوده .
أما التمايز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة فهو غير مؤثر في شريعة الإسلام ألبتّة لكنه مشار إليه في الشريعة على أنه آية من آيات الله الدالة على عظمته وكمال قدرته واستحقاقه للعبادة سبحانه .
ولهذا النوع من التمايز وظيفة أخرى نبه إليها الإسلام ، وهي وظيفة التعارف والتآلف وفي النص القرآني الكريم: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا...} [ سورة الحجرات ، الآية: 13 ] .
يؤكد هذا في دين الإسلام أنه من المتقرر عند المسلمين أن الله لم يخلق شعبًا فوق الشعوب ولم يميز قومًا على قوم ، وقيمة الإنسان عند الله وعند الناس ما يحسنه ويقوم به من عمل صالح وجهد طيب في طاعة الله وإتباع أمره ، وهو ما يصطلح عليه في الشريعة: (( التقوى ) )، وفي النص القرآني: { إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ } . [ سورة الحجرات ، الآية: 13 ] .
ويقرر ذلك نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (( أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى ... ) ). [ أخرجه أحمد والترمذي عن أبي نضرة وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ] .
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (( أي الناس أحب إلى الله ؟ قال أنفع الناس للناس ) ).
أخرجه الطبراني وغيره بألفاظ متقاربة ، وهذا لفظ الطبراني من حديث ابن عمر .
الحرية
سوف يكون الكلام في هذا المقام من عدة جوانب:
1-لا إكراه في الدين .
2-الحرية الدينية لغير المسلمين في بلاد الإسلام .
3-حكم الردة .
4-الرق .
مقدمة: حرية الفكر لا حرية الكفر: