إن جورج كلمنصو نمر السياسة في فرنسا في وقته / 1841 - 1939م / وأحد رجالات أوربا المعدودين له عندهم في السياسة قدم راسخة وتغلب على خصوم كثير حظي بهذه المنزلة الدولية عندهم مع استفاضة خبثة وشهرته في نسبة الخنا إليه وكل ذلك لم يخدش شيئًا من عظمته عندهم .
لقد كانت له ثمانمائة عشيقة وكان له أربعون ابنًا غير شرعي . ويقال: إنه عندما علم أن زوجته الأمريكية خانته نهض عند منتصف الليل ورماها في الشارع تهيم على وجهها في الليل البهيم . وتعجبوا لماذا حرم هذا الرجل على غيره ما استباحه لنفسه ؟؟ ويقول بعض المعلقين على هذه القصة كلمنصو مثل كل الذئاب البشرية - من أكثر الناس احتقارًا للمرأة ولم يقل أحد في المرأة أسوأ ولا أبشع مما قاله هو سواء على فراش اللهو أو على فراش المرض .
بقي أن نشير في خاتمة هذا الحديث إلى أن الشريعة حين أباحت التعدد اشترطت فيه وجوب العدل بين الزوجات في السكن والنفقة وكل مظاهر العلاقات وإذا لم يقم بالعدل أو خشي الظلم فإنه لا يجوز له أن يقدم على الزواج من أخرى .
كما أنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأكثر من أربع وهذا تحديد ظاهر لفوضى التعدد التي كانت سائدة في عصور الجاهلية .
وأخيرًا فإن التعدد لمن استطاع العدل بين الزوجات جائز مشروع وليس بواجب متحتم .
تطبيق الشريعة
النظر في تطبيق الشريعة بالنسبة لغير المسلمين في بلاد الإسلام منظور إليه من شقين .
الأول: فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وأحوال الأسرة فلكل ملة ما يعتقدون ، وتاريخ الإسلام الطويل عاش فيه اليهود والنصارى وغيرهم ولم يكن ثمة مشكلة قطعًا . لا في حال ضعف الدولة الإسلامية ولا في قوتها وكل الشعوب استقبلت المسلمين الفاتحين خير استقبال بدليل أنه عند ضعف الدولة لم يخرج أحد منهم عن إسلامه بل لازال إلى يومنا هذا مستمسكًا به مدافعًا عنه غيورًا عليه بما في ذلك الهندي والتركي والمغربي والعربي وسائر الأجناس .
بخلاف مواقفهم من الاستعمار الأوربي فكان الصراع على أشده منذ دخوله إلى خروجه ويسمى التخلص منه حرية واستقلالًا ولم يكن ذلك يومًا ما من الشعوب الإسلامية نحو الإسلام .
الثاني: فيما عدا الأحوال الشخصية ، فالنظرة المنصفة تقتضي أن ينظر إلى بقية الأحكام كسائر الأحكام في القوانين الأخرى من المعاملات والجنايات وهل القانون بجميع مواده إلا منعُ وإباحةُ ، ويدلك على التجني الظاهر أن واضح الأسئلة وصف تطبيق الشريعة بأنه دكتاتوري .
بينما كل القوانين حينما تطبق يجب أن تطبق بقوة وهو ما يسمى في مصطلحهم (( باحترام القانون ) )فحين تحزم الدولة أو الحكومة النظام هل يكون هذا دكتاتورية .
وإنني أتساءل في تطبيق الشريعة في مصر أو السودان مثلًا ومن جملة الشعبين نصارى وحينما تكفل لهم أحكامهم الشخصية وشئونهم الأسرية بمقتضى ديانتهم كما أن للمسلمين أحكامهم الأسرية ماذا يريد النصارى في البلدين من قانون بعد ذلك - أي فيما عدا الأحوال الشخصية - هل يريدون قانونًا فرنسيًا أو ألمانيًا أو إيطالية أو إنجليزيًا .
النظرة المنصفة والنظرة الوطنية المعقولة البعيدة عن التحيز أن يميلون إلى ما هو وطني مصري أو سوداني إن كانوا وطنيين .
فما الداعي لأن يفضل نصراني مصري القانون الفرنسي أو النصراني السوداني القانون الإنجليزي . ففيما عدا الأحوال الشخصية وأمور العبادات فإن أحكام الأنظمة والقوانين المدني منها والتجاري وقوانين العقوبة تختلف من قانون إلى قانون وقد تتفق في بعض المواد والأحكام ولعلك تدرك بهذا المدى التحيز والعنصرية ضد الشريعة الإسلامية والانحياز لحضارة الرجل الأبيض .
إن اختلاف قوانين الدول فيما بينها أمر معروف مألوف . ولكن الإلحاح بالمطالبة بإبعاد الشريعة عن الحكم لا يخلو من أحد سببين .
* إما لأنها تعطي إتباعها الاستقلالية التامة والحرية المنشودة مع ما فيها من كمال وشمول وصلاح ومصلحة .
* وإما أنه تسلط محض يراد به الإثارة والبلبلة في المنطقة حتى لا تستقر ويسهل الاصطياد في الأجواء المتعكرة المضطربة .
وأي دكتاتورية في تطبيق الشريعة والكل يعلم من القاصي والداني أنه ما جرى استفتاء في تطبيق الشريعة إلا وكانت الأغلبية تنادي به ولكن الرجل الأبيض وحده لا يريد ذلك بدعوى حفظ حقوق الأقلية ويتساءل المتسائل أين حقوق الأكثرية في كثير من الدول الإفريقية التي يحكمها أقلية نصرانية متمكنة مسيطرة مدعومة من القوى الخارجية .
الحدود والعقوبات الجسدية:
إن الحدود والعقوبات - جسدية أو غير جسدية - ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين .
ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن مثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم .
وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك . ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله ، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك .
على سبيل المثال في هذه العقوبات المذكور من القطع والرجم إنك لن تجد في تاريخ الإسلام الطويل تنفيذًا لها إلا بعدد لا يجاوز أصابع اليد الواحدة ليس لأنها غير عملية وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها حيث تدرء الحدود بالشبهات .
وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه .