فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 1037

فلابد لمن يريد إثبات الرسالة بعد هذا أن يتحقق من: وجود سند لها إلى شيخ الإسلام، أو وجودها مكتوبة بخطه، أو إثبات تلاميذه والمهتمين بكتبه لها. وهي أمور لم تتحقق -حسب علمي- إلى الآن.

الثاني: أن المتأمل في الرسالة يلمح فيها نوع تصرف أو اختصار، لما يجده من مثل هذه العبارات التي تتكرر بين صفحاتها،"ثم ذكر""ثم تكلم""إلى أن قال" (انظر: ص119، 125، 127، 128، 136، 137 من نسخة الفقي)

ولهذا علق الشيخ محمد بن مانع -رحمه الله- في هامش نسخته عند مروره بأحد هذه المواضع:"يستفاد منه أن في الكلام اختصارًا" (1)

الثالث: أن لشيخ الإسلام -رحمه الله- كلامًا آخر في رسائله الثابتة عنه يخالف ما فهمه البعض من هذه الرسالة؛ وهو أنه ينكر جهاد"الطلب"، -سيأتي بعضه إن شاء الله-.

إذن: فبعض الذين أثبتوها وفرحوا بها! زعموا أن شيخ الإسلام لا يرى جهاد"الطلب"في هذه الرسالة.

والذين أنكروها أرادوا دفع هذا الزعم المغلوط الذي يعارض النصوص الشرعية، ويعارض كلام شيخ الإسلام الآخر.

والصواب -في ظني- أن يقال: بأنه حتى لو قيل بثبوت هذه الرسالة (2) فإنه ليس فيها ما ينفي جهاد"الطلب"كما تصور البعض ممن لم يفهموا مقصد شيخ الإسلام منها، فخلطوا بين أمرين.

فشيخ الإسلام قد أنشأ هذه الرسالة للرد على قول فقهي ضعيف يقول أصحابه بأن قتال الكفار هو لأجل"كفرهم"، ولهذا فهؤلاء يرون قتل"كل كافر"سواء كان قادرًا على القتال أو عاجزًا عنه، وسواء كان مسالمًا أو محاربًا، وسواء كان من الرهبان أو لم يكن، وسواء كان شيخًا كبيرًا أو شابًا فتيًا.

ولا يستثني هؤلاء من القتل إلا الصبيان لعدم بلوغهم، وكذا النساء؛ لأنهن يصبحن سبيًا بنفس الاستيلاء عليهن؛ فهن كالمال.

ولهذا قال -رحمه الله- في أول هذه الرسالة مبينًا سبب كتابتها:

"فصل في قتال الكفار:"

هل هو سبب المقاتلة أو مجرد الكفر؟

وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء:

الأول: قول الجمهور، كمالك، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم.

الثاني: قول الشافعي وربما علل به بعض أصحاب أحمد.

فمن قال بالثاني قال: مقتضى الدليل قتل كل كافر، سواء كان رجلًا أو امرأة، وسواء كان قادرًا على القتال أو عاجزًا عنه، وسواء سالمنا أو حاربنا. لكن شرط العقوبة بالقتل أن يكون بالغًا، فالصبيان لا يقتلون لذلك. وأما النساء فمقتضى الدليل قتلهن، لكن لم يقتلن لأنهن يصرن سبيًا بنفس الاستيلاء عليهن، فلم يقتلن لكونهن مالًا للمسلمين كما لا تهدم المساكن إذا ملكت.

وعلى هذا القول: يقتل الرهبان وغير الرهبان لوجود الكفر. وذلك أن الله علق القتل لكونه مشركًا بقوله (فاقتلوا المشركين) فيجب قتل كل مشرك، كما تحرم ذبيحته ومناكحته لمجرد الشرك. وكما يجب قتل كل من بَدَّلَ دينه لكونه بدله، وإن لم يكن من أهل القتال، كالرهبان. وهذا لا نزاع فيه. وإنما النزاع في المرأة المرتدة خاصة.

وقول الجمهور: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار"انتهى كلام شيخ الإسلام، (ص 116، من طبعة الفقي) ."

وقد رد -رحمه الله- على هذا القول الضعيف في رسائله الأخرى بما يوافق ما في هذه الرسالة لمن تأمله. فلا جديد فيها !

ومن أصرح ذلك وأوضحه ما ذكره في"السياسة الشرعية". يقول -رحمه الله-:"إذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة؛ كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَمِن (3) ، ونحوهم، فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقَاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين. والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله…" (4) -إلى أن قال متعرضًا للرد على ذاك القول الضعيف-:"ولهذا أوجبت الشريعة قتل الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أُسر الرجل منهم في القتال، أو غير القتال؛ مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة؛ فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح؛ من قتله أو استعباده، أو المن عليه، أو مفاداته بمال أو نفس، عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة" (5) .

قلت: ففي هذا النص المهم ما يجلي حقيقة تلك الرسالة، ويبين أنها أنشئت للرد على هذا القول الفقهي الضعيف الذي يرى قتل الكفار لمجرد كفرهم دون استثناء إلا للنساء والصبيان فقط -كما سبق-، وهو ما رده شيخ الإسلام وبين مخالفته للكتاب والسنة سواء في تلك الرسالة أو في هذا الموضع من"السياسة الشرعية"أو في مواضع أخرى من"الفتاوى"-كما سيأتي إن شاء الله-.

ويبين هذا النص أيضًا أن شيخ الإسلام مع رده على ذاك القول الضعيف فإنه لا ينكر -كما يزعم البعض- شرعية جهاد"الطلب"! وحاشاه من ذلك، وهو أمر مقرر بالنصوص ومجمع عليه بين العلماء (6) ، ولهذا قال -كما سبق-"فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين". وهذا الجهاد إنما يكون"لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت