إلا أن الصنعاني -بعد هذا- أعاد النظر في هذه المسألة في حاشيته على"ضوء النهار"وعرض لأدلة الفريقين من جديد، ثم مال إلى القول الآخر! خشية أن يُنكر جهاد"الطلب"، وهو أمر مجمع عليه بين العلماء -كما سبق-، ولو فهم رسالة شيخ الإسلام -رحمه الله- لعلم أنه ليس فيها تعرض لمسألة حكم الجهاد"سواء طلبيًا أو دفاعيًا"كما أوضحت سابقًا.
ومما يبين أنه فهم من رسالة شيخ الإسلام أنه يرى أن الجهاد للدفاع فقط، قوله رادًا على هذا:"لأنه لو كان غزوه صلى الله عليه وسلم إلا لدفع شر الكفار لا لأجل الكفر؛ لم يخرج من المدينة في غزاة، ولا بعث سرية، بل يبقى في المدينة، فمن قصده دافعه فيها.." (16)
فالصنعاني توهم أن شيخ الإسلام ينصر القول بأن الجهاد للدفاع فقط فلهذا مال إليه أولًا، ثم تراجع عن ذلك خوفًا من مصادمة نصوص الشريعة والتفرد بقول يخرق إجماع المسلمين. ولو تأمل كلام شيخ الإسلام وقرنه بما يشابهه في فتاواه ورسائله الأخرى لعلم أنه قد أبعد النجعة في فهم كلامه -رحمه الله-.
2-الشوكاني يفهم الرسالة كفهم الصنعاني !
حيث تعرض لها في كتابه"نيل الأوطار" (5/250) عند حديثه عن"علامات البلوغ"، حيث قال محتجًا لمن قال بأن جهاد الكفار هو لأجل كفرهم:"ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو إلى البلاد البعيدة؛ كتبوك، ويأمر بغزو أهل الأقطار النائية مع كون الضرر ممن كان كذلك مأمونًا".
ثم قال:"وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر.. ومن القائلين بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف، وله في ذلك رسالة".
وفي ظني أن الشوكاني قد تابع الصنعاني في فهمه لرسالة شيخ الإسلام؛ لأنه كثيرًا ما يقتفي أثره. والله أعلم.
3-نقل مختصر مفيد عن الشيخ الألباني -رحمه الله- في بيان نوعي الجهاد:
قال -رحمه الله- في تعليقه على العقيدة الطحاوية (ص71-72) :"اعلم أن الجهاد على قسمين: الأول فرض عين، وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين: فالمسلمون جميعًا آثمون حتى يخرجوهم منها."
والآخر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد حتى يحكمها الإسلام، فمن استسلم من أهلها فبها، ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا، فهذا الجهاد ماض إلى يوم القيامة فضلًا عن الأول.
ومن المؤسف أن بعض الكتاب اليوم ينكره، وليس هذا فقط بل إنه يجعل ذلك من مزايا الإسلام! وما ذلك إلا أثر من آثار ضعفهم وعجزهم عن القيام بالجهاد العيني، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلَّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم""الصحيحة" (11) "."
4-المدرسة العصرانية تنكر جهاد الطلب !
قصر الجهاد في الإسلام على جهاد"الدفع"فقط هو مما أثارته المدرسة العصرانية الحديثة منذ الأفغاني ومحمد عبده وتلامذتهما؛ نتيجة صدمتهم وانهزامهم أمام الحضارة الغربية التي ألجأتهم إلى تبني بعض الأقوال الشاذة تحرجًا من أحكام الله التي لا يرضاها أعداء الإسلام؛ ومن ضمنها أحكام الجهاد.
ثم تعاقب تلاميذ هذه المدرسة والمتأثرون بها على نشر هذا القول الشاذ وإشاعته بين المسلمين .
انظر على سبيل المثال:"رسالة التوحيد"لمحمد عبده (ص 235) ، و"فتاوى رشيد رضا" (ص 892، 1155) ، و"القرآن والقتال"لمحمود شلتوت (ص126) ، و"الدولة الإسلامية.."لمحمد عمارة (ص 136) ، و"آثار الحرب في الفقه الإسلامي"لوهبة الزحيلي (ص110) و"الجهاد في الإسلام - كيف نفهمه؟"للبوطي (ص 94 وما بعدها) ،… وغيرها من كتب العصرانيين.
وبعضهم قد اتكأ على الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام وفرح بها؛ كالشيخ عبد الله المحمود في رسالته"الجهاد المشروع في الإسلام"، ومحمد أبو زهرة في كتابه عن"ابن تيمية"، وصاحب رسالة"الفريضة المفترى عليها" (ص 364-369) .
وانظر للرد عليهم بالتفصيل: رسالة الشيخ علي العلياني"أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية" (ص 318-349) . و"ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد"لعبد الملك البراك، (ص 33-163) . و"الجهاد والقتال في السياسة الشرعية"للدكتور محمد خير هيكل (1/748 وما بعدها) .
5-الخطأ لا يعالج بمثله:
إذا كنا نواجه سوء فهم لحقيقة"الجهاد"الشرعي في الإسلام من قبل فئات من الشباب"المتحمس"الذي يريد أن يقحم الأمة في معركة غير متكافئة لم تأخذ العدة اللازمة لها إلى الآن فيعرضها لتسلط الأعداء عليها وغزوها في عقر دارها.
إن مواجهة مثل هذا الفهم الخاطئ لا تكون من خلال إنكار ثوابت وضروريات دينية؛ كإنكار جهاد"الطلب"مثلًا، فنحن بهذه الطريقة لا نعالج الخطأ إنما نزيده تعقيدًا، ونلجئ الطرف الآخر إلى أن يتشبث بخطئه ويتعصب له؛ لما يرى من تلاعبنا بالأحكام الشرعية أو تميعنا تجاهها.
إنما العلاج الشرعي لهذا الفكر يكون من خلال إبراز وتوضيح مسائل"الجهاد"الشرعي، وتبيين مخالفة أصحاب ذاك الفكر لها. ويكون هذا بواسطة علماء ثقات لهم قبولهم بين شباب الأمة. فمن المسائل التي ينبغي إبرازها وإيصالها للشباب في هذه الفترة:
1-أن جهاد"الطلب"لا يكون إلا بإذن الإمام. يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:"لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر.. فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع .. وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتئات وتعد على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى" (17) .
2-أنه يجوز عقد"المعاهدات"مع الكفار في حال ضعف المسلمين.