ولكن المسلمين كانوا مأمورين بالجهاد الدعوي وذلك بمقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان ومجاهدة النفس ابتغاء مرضاة الله وسعيا إلى إعدادها وتهذيبها قال تعالى في سورة الفرقان وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا {51} فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا {52} وقال سبحانه في سورة العنكبوت وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ {69} .
ولما هاجر الرسول e هو ومن آمن معه إلى المدينة وصار للمسلمين قوة ومنعة شرع الجهاد ونزلت آياته لتعلن بداية عهد جديد مع أعداء الله تعالى قال تعالى في سورة الحج ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ {39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِإلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {40} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {41} .
قال ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة . [14]
من هنا يتبين لنا أن القتال شرع:
• لتكون كلمة الله هي العليا ؛ وذلك بتمهيد الطريق أمام دعوة الحق ؛ فلا يقف في طريقها حاقد أو مارق .
• الدفاع عن الأوطان والأعراض والأموال والأنفس وإخراج العدو المغتصب ، وفي هذه الحالة يتعين الجهاد على أهل البلد المعتدى عليهم ، وعلى من جاورهم إذا اقتضى الأمر ذلك .
• القضاء على النظم الجاهلية المتسلطة التي تحول دون وصول دعوة الله عز وجل وتكره الناس على عبادة غير الله وتقف للمسلمين بالمرصاد وتهدد أمنهم وكيانهم وتسعى إلى تشتيتهم وتمزيقهم .
• كسر شوكة أعداء الله: فلقد أثبت التاريخ والواقع بأنهم كلما قويت شوكتهم وثبوا على العالم الإسلامي واستغلوا ضعف المسلمين وفرقتهم وصدق الله عز وجل إذ يقول ( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلا ًّوَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ {8} اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {9} لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ {10} سورة التوبة .
( إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ {2} ) سورة الممتحنة
• الجهاد هو السبيل للحياة الطيبة ، الحياة الآمنة المطمئنة ، الحياة الكريمة الأبية .
• تخليص الشعوب غير المسلمة من ظلم الحكام وجورهم وتسلط أهل الفسق والضلال عليهم ونشر العدالة والحرية في أرجاء الكون انطلاقا من غاية الرسالة السامية التي بينها عز وجل في قوله { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين 107} [15]
هذه الرسالة السامية التي قاتل الصحابة من أجلها ولذلك لما سأل الفرس أحد الصحابة:فقال له ما جاء بكم إلى بلادنا ؟ قال:"جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل وسماحة الإسلام"
• بالجهاد ينال المسلم إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة قال تعالى في سورة التوبة { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ 52} .
• الجهاد من أجل الطاعات وأعظم القربات إلى الله تعالى فقد سئل رسولنا صلى الله عليه وسلم: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ؟ قَالَ:"لاَ تَسْتَطِيعُوهُ"قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا. كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ:"لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ". وَقَالَ فِي الثّالِثَةِ:"مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ الصّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللّهِ. لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ. حَتّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ تَعَالَىَ". [16]
وصدق الله عز وجل إذ يقول { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 95} دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {96} ، فالجهاد ميدان من ميادين التنافس في الخيرات والسبق إلى الصالحات .