قال ابن جُزيّ في قوله تعالى: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) : المعنى أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل يَدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه دون إكراه ، ويدل على ذلك قوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) أي قد تبين أن الإسلام رشد ، وأن الكفر غَيّ ، فلا يَفتقر بعد بيانه إلى إكراه . اهـ .
وقال ابن كثير: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) : أي لا تُكْرِ هوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بَيِّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول ، فيه بل من هداه الله للإسلام وشَرَحَ صدره ونوّر بصيرته دَخَلَ فيه على بَيِّنة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يُفيده الدخول في الدين مُكرَها مَقسُورا . اهـ .
والله تعالى أعلم .
الشبهة الأولى: (( وجوب ترك الاحتساب بحجة تعارضه مع الحرية الشخصية ) )
الدكتور /فضل ألهى
يقول بعض الناس:
"يجب علينا أن نترك الناس وشأنهم ولا نتدخل في شؤونهم الخاصة بأمرهم بالمعروف الذي لا يرغبون في فعله ، ونهيهم عن المنكر الذي يرغبون فيه ، لأن هذا يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام".
ويستدلّ هؤلاء على صحة رأيهم بقوله عز وجل: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) .
كشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة:
سنبيّن بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة ضمن العناوين التالية:
عدم وجود الحرية الشخصية المزعومة .
المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية .
الخطأ في فهم الآية: (( لا إكراه في الدين ) ).
ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة .
قيام الرسول بالاحتساب .
تشريع الحدود والتعزيرات ينقض الشبهة .
أولًا: عدم وجود (( الحرية الشخصية ) )المزعومة .
لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: أين تلك (( الحرية الشخصية ) )المزعومة ؟ . أفي مشارق الأرض أم في مغاربها ؟هل وجدتموها في أنظمة شرقية أم في أنظمة غربية ؟ كلا ، لا عند هؤلاء ، ولا عند أولئك . يُطالب المرء بالخضوع والامتثال لقواعد و أنظمة على رغم أنفه حيثما حل وارتحل.
هل يُسمح لأحد في الشرق أو الغرب أن يعبر التقاطع والإشارة حمراء ؟ هل يُعطى في الغرب لأحد حق بناءبيت بماله الذي اكتسبه بكد جبينه على الأرض التي اشتراها بخالص ماله كيفما شاء من غير مراعاة الضوابط التي وضعتها أمانة تلك المدينة التي هو فيها ؟ و الأمر في الشرق أدهى وأمرّ ، ليس له أن يملك بيتًا .
ثانيًا: المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية:
الحرية الشخصية التي منحها الإسلام للعباد هي أنه أخرج العباد من عبودية العباد ، ولا يعني هذا إخراجهم من عبودية رب العباد ، ما أحسن ما عبر القرآن الكريم عن هذا: (( ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) ).
فالمطلوب في الإسلام أن يتحرر العبد من كل من سوى الله ويصير عبدًا منقادًا مطيعًا مستسلمًا لله الواحد الخالق المالك المدبر . وهذا ما عبّر عنه سيدنا ربعي بن عامر ( مجيبًا على سؤال رستم بقوله:(( الله ابتعثنا ، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ) ).
ومن النصوص التي تدلّ على أن المؤمنين مطالبون بالاستسلام لله تعالى والعمل بجميع أوامره وترك جميع نواهيه قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) ).
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (( يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه ، والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك ) ).
وبيّن المولى عز وجل أنه لا يبقى لمؤمن ولا مؤمنه أدنى خيار بعد مجيء أمر الله تعالى و أمر رسوله ، قال تعالى: (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مبينًا ) ).
وصوّر لنا السميع البصير مبادرة المؤمنين إلى امتثال أوامره وأوامر رسوله حيث يقول عز من قائل (( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا و أولئك هم المفلحون ) ).
فأين أصحاب (( الحرية الشخصية ) )المزعومة من أولئك؟.
ثالثا: الخطأ في فهم الآية: (( لا إكراه في الدين ) ):
ليس معنى الآية بأن للناس كلهم فعل ما يشاؤون وترك ما يشاؤون ، وليس لأحد إلزامهم على فعل الخير الذي تركوه أو اجتناب الشر الذي فعلوه ، بل المراد بالآية - والله أعلم بالصواب - كما يقول الحافظ ابن كثير: (( أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام ) ).
وحتى هذا ليس لغير المسلمين كلّهم بل رجّح كثير من المفسرين بأن هذا الحكم خاص بأهل الكتاب ومن شابههم. وأما عبدة الأوثان من مشركي العرب ومن شابههم فلا يُقبَل منهم إلاّ الإسلام أو القتال معهم . وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد نقله أقوالًا مختلفة في تفسير الآية: (( وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس ، وقال: عني بقوله تعالى ذكره: (( لا إكراه في الدين ) )أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق ، وأخذ الجزية منه )) .