فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 1037

بحث

قال في الميزان:

وفي قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ، نفى الدين الإجبارى ، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات ، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار ، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية ، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك ، ومن المحال أن ينتج الجهل علما ، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقا علميا ، فقوله: لا إكراه في الدين ، إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين أنتج حكما دينيا بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد ، وإن كان حكما إنشائيا تشريعيا كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله:"قد تبين الرشد من الغي"، كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرها ، وهو نهي متك على حقيقة تكوينية ، وهي التي مر بيانها أن الإكراه إنما يعمل ويؤثر في مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية.

وقد بين تعالى هذا الحكم بقوله:"قد تبين الرشد من الغي"، وهو في مقام التعليل فإن الإكراه والإجبار إنما يركن إليه الآمر الحكيم والمربي العاقل في الأمور المهمة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحق فيها لبساطة فهم المأمور وردائة ذهن المحكوم ، أو لأسباب وجهات أخرى ، فيتسبب الحاكم في حكمه بالإكراه أو الأمر بالتقليد ونحوه ، وأما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير والشر فيها ، وقرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها وتركها فلا حاجة فيها إلى الإكراه ، بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل وعاقبتي الثواب والعقاب ، والدين لما انكشفت حقائقه واتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة النبوية فقد تبين أن الدين رشد والرشد في اتباعه ، والغي في تركه والرغبة عنه ، وعلى هذا لا موجب لأن يكره أحد أحدا على الدين.

وهذه إحدى الآيات الدالة على أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم ، ولم يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أن الإسلام دين السيف واستدلوا عليه: بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين.

وقد تقدم الجواب عنه في ضمن البحث عن آيات القتال وذكرنا هناك أن القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدم وبسط الدين بالقوة والإكراه ، بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد ، وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال ، فالإشكال ناش عن عدم التدبر.

ويظهر مما تقدم أن الآية أعني قوله:"لا إكراه في الدين"غير منسوخة بآية السيف

كما ذكره بعضهم.

ومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها أعني قوله:"قد تبين الرشد من الغي"، فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم ، فإن الحكم باق ببقاء سببه ، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف ، فإن قوله:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"مثلا ، أو قوله:"وقاتلوا في سبيل الله"الآية لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا

وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله:"لا إكراه في الدين"بظهور الحق ، هو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله ، فهو ثابت على كل حال ، فهو غير منسوخ. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 343 ـ 344}

قوله تعالى: {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي}

قال الفخر:

{تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} أي تميز الحق من الباطل ، والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة ، قال القاضي: ومعنى {قَد تَّبَيَّنَ الرشد} أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول: قد ذكرنا أن معنى {تَّبَيَّنَ} انفصل وامتاز ، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين ، وعلى هذا كان اللفظ مُجْرَى على ظاهره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 14}

وقال البيضاوى:

{ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة ، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلبًا للفوز بالسعادة والنجاة ، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 557}

وقال ابن عاشور:

وقوله: { قد تبين الرشد من الغيّ } واقع موقع العلة لقوله: { لا إكراه في الدين } ولذلك فصلت الجملة.

والرشد بضم فسكون ، وبفتح ففتح الهُدى وسداد الرأي ، ويقابله الغيّ والسفه ، والغيّ الضلال ، وأصله مصدرُ غَوَى المتعدي فأصله غَوْي قلبت الواو ياء ثم أدغمتا.

وضُمّن تبيّن معنى تميز فلذلك عدي بمَن ، وإنّما تبيّن ذلك بدعوة الإسلام وظهوره في بلد مستقل بعد الهجرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 28}

قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت ويؤمن بالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا}

قال ابن عاشور:

وقوله: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } تفريع على قوله: { قد تبيّن الرشد من الغي } إذ لم يبق بعد التبيين إلاّ الكفرُ بالطاغوت ، وفيه بيان لنفي الإكراه في الدين ؛ إذ قد تفرّع عن تميّز الرشد من الغي ظهور أنّ متّبع الإسلام مستمسك بالعروة الوثقى فهو ينساق إليه اختيارًا.

والطاغوت الأوثان والأصنام ، والمسلمون يسمّون الصَّنم الطاغية ، وفي الحديث:"كانوا يهلون لمناة الطاغية"ويجمعون الطاغوت على طواغيت ، ولا أحسبه إلاّ من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر وهو مذموم ومكروه.

ووزن طاغوت على التحقيق طَغَيُوت فَعَلُوت من أوزان المصادر مثل مَلَكوت ورَهَبوت وَرَحَمُوت فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصيرُ إلى فَلَعوت طيَغوت ليتأتى قلب اللام ألفًا فصار طَاغوت ، ثم أزيل عنه معنى المصدر وصار اسمًا لطائفة مما فيه هذا المصدر فصار مثل مَلَكوت في أنه اسم طائفة مما فيه معنى المصدر لا مثل رَحَموت ورهبوت في أنّهما مصدران فتاؤه زائدة ، وجعل علمًا على الكفر وعلى الأصنام ، وأصله صفة بالمصدر ويطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كشأن المصادر.

وعطف { ويؤمن بالله } على الشرط لأنّ نبذ عبادة الأصنام لا مزيّة فيه إن لم يكن عَوّضها بعبادة الله تعالى.

ومعنى استمسك تمسك ، فالسينُ والتاء للتأكيد كقوله: { فاستمسكْ بالذي أُوحيَ إليك } [ الزخرف: 43 ] وقوله: { فاستجاب لهم ربهم } [ آل عمران: 195 ] وقول النابغة:"فاستنكحوا أمّ جابر"إذ لا معنى لطلب التمسك بالعروة الوثقى بعد الإيمان ، بل الإيمان التمسك نفسه.

والعروة بضم العين ما يُجعل كالحلْقة في طرف شيء ليقبض على الشيء منه ، فللدّلوْ عروة وللكُوز عُروة ، وقد تكون العروة في حبل بأن يشدّ طرفه إلى بعضه ويعقد فيصير مثل الحلقة فيه ، فلذلك قال في"الكشاف": العروة الوثقى من الحبل الوثيق.

و { الوثقى } المحكمة الشدّ.

{ ولا انفصام لها } أي لا انقطاع ، والفصم القطع بتفريق الاتصال دون تجزئة بخلاف القصم بالقاف فهو قطع مع إبانة وتجزئة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 28 ـ 29}

قال أبو حيان:

قال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت. انتهى.

وناسب ذلك أيضًا اتصاله بلفط الغي ، ولأن الكفر بالطاغوت متقدّم على الإيمان بالله ، لأن الكفر بها هو رفضها ، ورفض عبادتها ، ولم يكتف بالجملة الأولى لأنها لا تستلزم الجملة الثانية ، إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن بالله ، لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت ، ولكنه نبه بذكر الكفر بالطاغوت على الانسلاخ بالكلية ، مما كان مشتبهًا به ، سابقًا له قبل الإيمان ، لأن في النصية عليه مزيد تأكيد على تركه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 292 ـ 293}

فصل

قال الماوردى:

{ فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ } فيه سبعة أقوال:

أحدها: أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب.

والثاني: أنه الساحر ، وهو قول أبي العالية.

والثالث: الكاهن ، وهو قول سعيد بن جبير.

والرابع: الأصنام.

والخامس: مَرَدَة الإنس والجن.

والسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله ، فيعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، أو بطاعة له ، سواء كان المعبود إنسانًا أو صنمًا ، وهذا قول أبي جعفر الطبري.

والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء ، كما قال تعالى: { إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } [ يوسف: 53 ] .

واختلفوا في { الطَّاغُوتِ } على وجهين:

أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب ، يقع على الواحد والجماعة.

والثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية ، قاله ابن بحر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 327 ـ 328}

قال الفخر: والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسبابًا للطغيان كما في قوله {رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس} [ إبراهيم: 36 ] . أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}

وقال أبو حيان:

ينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلًا ، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 292}

قال الفخر:

أما قوله {وَيُؤْمِن بالله} ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولًا عن الكفر ، ثم يؤمن بعد ذلك.

أما قوله {فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} فاعلم أنه يقال: استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك ، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول ، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته ، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها ، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}

فائدة

قال أبو حيان:

وجواب الشرط: فقد استمسك ، وأبرز في صورة الفعل الماضي المقرون بقد الدالة في الماضي على تحقيقه ، وإن كان مستقبلًا في المعنى لأنه جواب الشرط ، إشعارًا بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتيب الجزاء على الشرط ، وأنه كائن لا محالة لا يمكن أن يتخلف عنه ، و: بالعروة ، متعلق باستمسك ، جعل ما تمسك به من الإيمان عروة ، وهي في الأجرام موضع الإمساك وشد الأيدي شبه الإيمان بذلك.

قال الزمخشري: وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ، والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ، فيحكم اعتقاده والتيقن.

والمشبه بالعروة الإيمان ، قاله: مجاهد.

أو: الإسلام قاله السدّي أو: لا إله إلا الله ، قاله ابن عباس ، وابن جبير ، والضحاك ، أو: القرآن ، قاله السدّي أيضًا ، أو: السنة ، أو: التوفيق.

أو: العهد الوثيق.

أو: السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه.

{ لا انفصام لها } لا انكسار لها ولا انقطاع ، قال الفراء: الانفصام والانقصام هما لغتان ، وبالفاء أفصح ، وفرق بعضهم بينهما ، فقال: الفصم انكسار بغير بينونة ، والقصم انكسار ببينونة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 293}

قال ابن كثير:

قال مجاهد: { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } يعني: الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله. وعن أنس بن مالك: { بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } : القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله والبغض في الله.

وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها.

وقال معاذ بن جبل في قوله: { لا انْفِصَامَ لَهَا } أي: لا انقطاع لها دون دخول الجنة.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا } ثم قرأ: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد: 11] .

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع ، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم: إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة خضراء

قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة ، فقيل لي: اصعد عليه فقلت: لا أستطيع. فجاءني مِنْصَف -قال ابن عون: هو الوصيف فرفع ثيابي من خلفي ، فقال: اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال:"أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت". {المسند (5/452) } .

قال: وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون. { صحيح البخاري برقم (3813) وصحيح مسلم برقم (2484) .} وأخرجه البخاري من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين به. { صحيح البخاري برقم (7010) } .

أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 683}

فائدة بلاغية

قال ابن عاشور:

والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيلي ، شبهت هيأة المؤمن في ثباته على الإيمان بهيأة من أمسك بعروة وثقى من حَبل وهو راكب على صَعب أو في سفينة في هَول البحر ، وهي هيأة معقولة شبهت بهيأة محسوسة ، ولذلك قال في"الكشاف""وهذا تمثيل للمعلوم بالنظَر ، بالمشاهَد"وقد أفصح عنه في تفسير سورة لقمان إذ قال"مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه"، فالمعنى أنّ المؤمن ثابت اليقين سالم من اضطراب القلب في الدنيا وهو ناج من مَهاوي السقوط في الآخرة كحال من تمسك بعروة حبل متين لا ينفصم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 29}

قوله {لاَ انفصام لَهَا}

فصل

قال الفخر:

قال النحويون: نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والعرب تضمر ( التى ) و ( الذى ) و ( مَنْ ) وتكتفي بصلاتها منها ، قال سلامة بن جندل:

والعاديات أسامي للدماء بها.. كأن أعناقها أنصاب ترحيب

يريد العاديات التي قال الله: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [ الصافات: 164 ] أي من له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}

لطيفة

قال ابن كثير:

قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن أبي إسحاق عن حسان -هو ابن فائد العبسي-قال: قال عمر رضي الله عنه: إن الجِبت: السحر والطاغوت: الشيطان ، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه ، وإن كرم الرجل دينه ، وحسبه خلقه ، وإن كان فارسيًّا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره.

ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية ، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها. أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 683}

قوله تعالى {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

قال الفخر:

فيه قولان:

القول الأول: أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين ، وقول من يتكلم بالكفر ، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر ، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث.

والقول الثاني: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة ، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرًا وعلانية ، فمعنى قوله {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك. هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}

فائدة

قال الشيخ الشنقيطى:

قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} هذه الآية تدل بظاهرها على أنه لا يكره أحد على الدخول في الدين, ونظيرها قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} , قوله تعالى: {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} , وقد جاء في آيات كثيرة ما يدل على إكراه الكفار على الدخول في الإسلام بالسيف كقوله تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} , وقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي الشرك, ويدل لهذا التفسير الحديث الصحيح:"أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"الحديث, والجواب عن هذا بأمرين:

الأول - وهو الأصح -: أنّ هذه الآية في خصوص أهل الكتاب, والمعنى أنهم قبل نزول قتالهم لا يكرهون على الدين مطلقا, وبعد نزول قتالهم لا يكرهون عليه إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون, والدليل على خصوصها بهم ما رواه أبو داود وابن أبي حاتم والنسائي وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال:"كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده, فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا:"لا ندع أبناءنا", فأنزل الله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} , المقلاة التي لا يعيش لها ولد, وفي المثل:"أحر من دمع المقلاة", وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال"نزلت {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: (الحصين) , كان له ابنان نصرانيان, وكان هو مسلما, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:"ألا استكرههما فإنهما أبيا إلا النصرانية ؟", فأنزل الله الآية", وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير سأله أبو بشر عن هذه الآية ؟ فقال: نزلت في الأنصار, قال: خاصة ؟ قال: خاصة", واخرج ابن جرير عن قتادة بإسنادين في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال: أكره عليه هذا الحي من العرب ؛ لأنهم كانوا أمة أمية ليس لهم كتاب يعرفونه فلم يقبل منهم غير الإسلام, ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقرّوا بالجزية أو بالخراج ولم يفتنوا عن دينهم فيخلى سبيلهم"وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان فلم يقبل منهم إلاَّ لا إله إلا الله أو السيف, ثم أمر فيمن سواهم أن يقبلوا منهم الجزية فقال: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} , وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أيضا في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} , قال:"وذلك لما دخل الناس في الإسلام, وأعطى أهل الكتاب الجزية","

فهذه النقول تدل على خصوصها بأهل الكتاب المعطين الجزية, ومن في حكمهم, ولا يرد على هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ لأن التخصيص فيها عرف بنقل عن علماء التفسير لا بمطلق خصوص السبب, ومما يدل للخصوص أنه ثبت في الصحيح:"عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل".

الأمر الثاني: أنها منسوخة بآيات القتال كقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} الآية, ومعلوم أن سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة, وسورة براءة من آخر ما نزل بها, والقول بالنسخ مروي عن ابن مسعود, وزيد بن أسلم, وعلى كل حال فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها {لا إِكْرَاهَ} الآية, والمتأخر أولى من المتقدم, والعلم عند الله تعالى. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 44 ـ 46}

من فوائد ابن عرفة في الآية

قوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين . . . } .

نقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف في سبب نزولها ثم قال: الظاهر عندي ( أنّها ) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ والمعنى.

والمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النّهي.

وكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن على المريني في ( أيام ) مملكته جمع كل من كان في بلده من النّصارى وأهل الذمة وقال لهم: إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم ، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في عقله اختبال.

قيل لابن عرفة: من فسّر الدين بالإسلام لا يتمّ إلا على مذهب المعتزلة القائلين بأن الاعتقاد غير كاف.

فقال: قد قال الله تعالى: { إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام } وفسره في الحديث"بأنّ تشهد أن لاَ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا".

قوله تعالى: { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي . . . } .

( قد ) للتوقع لأن المشركين كانوا يتوقعون بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعارضوها بقوله تعالى: { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } فجعل الخبيث مخرجا من الطيب ، وعكس هنا.

وأجيب: بأن هذا في أول الإسلام كان الكفر أكثر وتلك في آخر الإسلام كان الإيمان أكثر ودخل الناس في الدين أفواجا.

قوله تعالى: { فَمَن يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله . . . } .

قدم الكفر إما لأنّه من دفع المؤلم ، أو لأنه مانع ولا يتم الدليل على الشيء إلاّ مع نفي المانع المعارض ولذلك قال في الإرشاد:"النظر في الشيء يضاد العلم بالمنظور ويضاد الجهل به والشك فيه".

فإذا كان الكافر مصمما على كفره استحال إيمانه وإذا ظهر له بطلان الكفر وبقي قابلا للإيمان ونظر في دلائله أنتجت له الإيمان.

قوله تعالى: { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى . . . } .

قال الزمخشري: هذا تمثيل للمعلوم بالنّظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس ( ونظرٌ في دلالات أنتجت له ) حتى يتصوره السّامع كأنّه ينظر ( إليه ) بعينه.

ابن عطية: هذا تشبيه واختلفوا في المشبه بالعروة فقال مجاهد: العروة الإيمان وقال السدى: الإسلام.

وقال سعيد بن جبير والضّحاك: ( العروة ) لا إله إلا الله.

قال ابن عرفة: إنما يريد المشبه خاصة ولو أراد المشبه به لكان تشبيه الشيء بنفسه.

قوله تعالى: { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .

قال ابن عطية: لما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سميع من أجل النّطق وعليم من أجل المعتقد.

وقال الفخر: هذا دليل على أنّ اعتقاد القلب الإيمان غير كاف ولا بد من النطق.

قال ابن عرفة: لايتم هذا إلاّ على مذهب المعتزلة الذين ينكرون الكلام النفسي ونحن نقول: كلام النفس مسموع ولذلك نتصوره في الكلام القديم الأزلي وهم ينكرونه. هـ {تفسير ابن عرفة صـ 334}

بحث

الدين لا يُفرض:

لا يمكن للإسلام ولا للأديان الحقّة الأخرى أن تُفرض فرضًا على الناس لسببين:

1 ـ بَعدَ كلّ تلك الأدلّة والبراهين الواضحة والاستدلالات المنطقية والمعجزات الجلية لم تكن ثمة حاجة لذلك.

إنّما يستخدم القوّة من أعوزه المنطق والحجّة.

والدين الإلهي ذو منطق متين وحجّة قويّة.

2 ـ إنّ الدين القائم على أساس مجموعة من العقائد القلبية لا يمكن أن يُفرض بالإكراه.

إن عوامل القوّة والسيف والقدرة العسكرية يمكنها أن تؤثّر في الأجسام ، لا في الأفكار والمعتقدات.

يتّضح ممّا تقدّم الردّ على الإعلام الصليبي ـ المسموم ضدّ الإسلام ـ القائل"إنّ الإسلام انتشر بالسيف"، إذ لا قول أبلغ ولا أفصح من (لا إكراه في الدين) الذي أعلنه القرآن.

هؤلاء الحاقدون يتناسون هذا الإعلان القرآني الصريح ، ويحاولون من خلال تحريف مفهوم الجهاد وأحداث الحروب الإسلامية أن يثبتوا مقولتهم ، بينما يتّضح بجلاء لكلّ منصف أنّ الحروب التي خاضها الإسلام كانت إمّا دفاعية ، وإمّا تحريرية ، ولم يكن هدف هذه الحروب السيطرة والتوسّع ، بل الدفاع عن النفس ، أو إنقاذ الفئة المستضعفة الرازحة تحت سيطرة طواغيت الأرض وتحريرها من

ربقة العبودية لتستنشق عبير الحرية وتختار بنفسها الطريق الذي ترتئيه.

والشاهد الحيّ على هذا هو ما تكرّر حدوثه في التاريخ الإسلامي ، فقد كان المسلمون إذا افتتحوا بلدًا تركوا أتباع الأديان الأُخرى أحرارًا كالمسلمين.

أمّا الضريبة الصغيرة التي كانوا يتقاضونها منهم باسم الجزية ، فقد كانت ثمنًا للحفاظ على أمنهم ، ولتغطية ما تتطلّبه هذه المحافظة من نفقات ، وبذلك كانت أرواحهم وأموالهم وأعراضهم مصونة في حمى الإسلام.

كما أنّه كانوا أحرارًا في أداء طقوسهم الدينية الخاصّة بهم.

جميع الذين يطالعون التاريخ الإسلامي يعرفون هذه الحقيقة ، بل إن المسيحيين الذين كتبوا في الإسلام يعترفون بهذا أيضًا.

يقول مؤلّف"حضارة الإسلام أو العرب":

"كان تعامل المسلمين مع الجماعات الأُخرى من التساهل بحيث إنّ رؤساء تلك الجماعات كان مسموحًا لهم بإنشاء مجالسهم الدينية الخاصّة".

وقد جاء في بعض كتب التاريخ أنّ جمعًا من المسيحيين الذين كانوا قد زاروا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للتحقيق والاستفسار أقاموا قدّاسًا في مسجد النبي في المدينة بكلّ حرّية.

إنّ الإسلام ـ من حيث المبدأ ـ توسّل بالقوّة العسكرية لثلاثة أمور:

1 ـ لمحو آثار الشرك وعبادة الأصنام ، لأنّ الإسلام لا يعتبر عبادة الأصنام دينًا من الأديان ، بل يراها انحرافًا ومرضًا وخرافة ، ويعتقد أنّه لا يجوز مطلقًا أن يسمح لجمع من الناس أن يسيروا في طريق الضلال والخرافة ، بل يجب إيقافهم عند حدّهم ؛ لذلك دعا الإسلام عبدة الأصنام إلى التوحيد ، وإذا قاوموه توسّل بالقوِّة وحطّم الأصنام وهدّم معابدها ، وحال دون بروز أي مظهر من مظاهر عبادة الأصنام ، لكي يقضي تمامًا على منشأ هذا المرض الروحي والفكري.

وهذا يتبيّن من آيات القتال مع المشركين ، مثل الآية 193 من سورة البقرة: (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة) . وليس هناك أيّ تعارض بين الآية التي نحن بصددها وهذه الآية ، ولا نسخ في هذا المجال.

2 ـ لمقابلة المتآمرين للقضاء على الإسلام ، عندئذ كانت الأوامر تصدر بالجهاد الدفاعي وبالتوسّل بالقوّة العسكرية. ولعلّ معظم الحروب الإسلامية على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من هذا القبيل ، مثل حرب أُحد والأحزاب وحنين ومؤته وتبوك.

3 ـ للحصول على حريّة الدعوة والتبليغ. حيث إنّ لكل دين الحقّ في أن يكون حرًّا في الإعلان عن نفسه بصورة منطقية ، فإذا منعه أحد من ذلك فله أن ينتزع حقّه هذا بقوّة السلاح. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 261 ـ 263}

لطيفة

قال ابن القيم:

قال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال: خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل قال: فسمعت حسا ـ أو صوتا ـ شديدا وجيء بسرير حتى وضع وجاء شيء حتى جلس عليه قال: واجتمعت إليه جنوده ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير ؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات فقال واحد: انا أكفيكه قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر ثم أوشك الرجعة فقال: لا سبيل إلى عروة وقال: ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن قال الرجل: فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه فإذا بشيخ كبير فقلت: شيئا تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت ؟ فأبى أن يخبرني فأخبرته بما رأيت وما سمعت فقال: ما أدري غير أني أقول إذا أصبحت: آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات. أ هـ {الوابل الصيب صـ 111}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت