وقال ابن كثيرعن قول الله ]ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك [:"أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف".[95]
ولما كان الاختلاف والتّعدّد آية من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد كلية، فإنما يروم محالًا ويطلب ممتنعًا، لذا كان لابد من الاعتراف بالاختلاف.
ب. مهمة المسلمين الدعوة إلى الله لا أسلمة الناس
أدرك المسلمون أن هداية الجميع من المحال، وأن أكثر الناس لا يؤمنون، وأن واجب الدعاة الدأب في دعوتهم وطلب أسباب هدايتهم. فإنما مهمتهم هي البلاغ فحسب، والله يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال الله مخاطبًا نبيه r: ] فإن تولوا فإنما عليك البلاغ [ (النحل: 82) . وقال تعالى: ] فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد[ (آل عمران: 20) .
قال القرطبي:"فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان؛ فإنما عليك البلاغ، أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا". [96]
قال الشوكاني في سياق شرحه لقول الله تعالى: ] فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [ (الرعد: 40) :"أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم، لما بلّغته إليهم، ] وعلينا الحساب [ أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك".[97]
وقال تعالى: ]فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر[ (الغاشية: 21-22) .
ولذلك فإن المسلم لا يشعر بحالة الصراع مع شخص ذلك الذي تنكب الهداية وأعرض عن أسبابها، فإنما حسابه على الله في يوم القيامة ، فقد قال الله تعالى لنبيه r: ] ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء [ (البقرة: 272) . وقال له وللأمة من بعده: ] فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير[ (الشورى: 15) .
ج. التكريم الإلهي للإنسان، ومبدأ عدم الإكراه على الدين
خلق الله آدم عليه السلام، وأسجد له ملائكته ] وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينًا [ (الإسراء: 61) ، وندبه وذريته من بعده إلى عمارة الأرض بمنهج الله: ] إني جاعل في الأرض خليفة[ (البقرة: 30) .
ووفق هذه الغاية كرم الله الجنس البشري على سائر مخلوقات الله ] ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلًا[ (الإسراء: 70) .
وأكد نبينا r وصحبه احترام النفس الإنسانية ، ففي الخبر أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة فقالا: إن النبي r مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي؟! فقال: (( أليست نفسًا ) ). [98]
ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل وهديناه النجدين { (البلد: 10) ، وبموجبه وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء} إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا { (الإنسان: 3) } ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس: 99) .
وعليه فالإنسان يختار ما يشاء من المعتقد لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي { (البقرة: 256) ، والله يتولى في الآخرة حسابه } وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها (الكهف: 29) .
قال ابن كثير:"أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا". [99]
و يقول تعالى: قل الله أعبد مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (الزمر: 14- 15) ، ويقول: ]وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون[ (الحج: 68-69) .
وقد امتثل سلفنا هدي الله، فلم يلزموا أحدًا بالإسلام إكراهًا، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب قال لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، إن الله بعث محمدًا بالحق قالت: أنا عجوز كبيرة، والموت أقرب إليّ! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: ] لا إكراه في الدين [ (البقرة: 256) .[100]
والإيمان ابتداء هو عمل قلبي، فليس بمؤمن من لم ينطو قلبه على الإيمان، ولو نطق به كرهًا فإنه لا يغير في حقيقة قائله ولا حكمه، وعليه فالمكره على الإسلام لا يصح إسلامه، ولا تلزمه أحكامه في الدنيا، ولا ينفعه في الآخرة.
قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة:"لم ينقل عن النبي r ولا عن أحد من خلفائه؛ أنه أجبر أحدًا من أهل الذمة على الإسلام ... وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا؛ مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه، وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام .. ولنا أنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى: ] لا إكراه في الدين [ (البقرة: 256) ".[101]