ولما تدانى الأجل به t لم يفُته أن يوصي المسلمين برعاية أهل الذمة فقال: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي لهم بعهدهم ، وأن يقاتلوا من ورائهم ، وألا يكلفوا فوق طاقتهم) . [202]
وكتب إلى واليه في مصر:"واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال تبارك وتعالى في كتابه: ] واجعلنا للمتقين إمامًا [ (الفرقان: 74) يريد [أي من المؤمن] أن يُقتدى به، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله r بهم، وأوصى بالقبط فقال: (( استوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا ) )، ورحِمُهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال r: (( من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة ) )احذر يا عمرو أن يكون رسول الله r لك خصمًا، فإنه من خاصمه خَصَمه". [203]
وكتب علي بن أبي طالب t بلسان الوجِل من ربه إلى عماله على الخراج:"إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة، شتاءً ولا صيفًا، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضًا في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك". [204]
ولما فتح المسلمون دمشق ولي قسم منازلها بين المسلمين سبرة بن فاتك الأسدي، فكان ينزل الرومي في العلو، وينزل المسلم في السفل؛ لأنْ لا يضر المسلم بالذمي. [205]
ويدخل فقيه عصره أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة على الخليفة هارون الرشيد يذكره برعاية أهل الذمة وتفقد أحوالهم، ويستميل قلبه بذكر قرابته من رسول الله r صاحب ذمتهم، فيقول:"وقد ينبغي يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم بالرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد r ، والتفقد لهم حتى لا يظلموا، ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم". [206]
وقد شهد المؤرخون بسمو حضارتنا في هذا الباب، فقد اعترف بريادتنا له نصارى حمص حين كتبوا إلى أبي عبيدة بن الجراح t:"لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"، ثم أغلقوا أبواب المدينة في وجه الروم إخوانهم في العقيدة. [207]
وتنقل المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الماتع"شمس العرب تسطع على الغرب"شهادة مهمة من بطريك بيت المقدس، فتقول:"فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف". [208]
خامسًا: التكافل الاجتماعي
لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين - الذين يقيمون في المجتمع المسلم - كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي.
فإن الله عز وجل بعث نبيه r رحمة للعالمين ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ (الأنبياء: 107) ، وقد أمر r المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة، في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان ، فقال r (( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) )[209] ، وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد ، دون اعتبار لجنس أو دين .
قال ابن بطال:"فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق , فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك". [210]
وحث الإسلام أيضًا المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: ] وأحسنوا إن الله يحب المحسنين[ (البقرة: 195) .
وقد جعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركنًا من أركان الإسلام، فقال تعالى: ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين [ (التوبة: 60) قال القرطبي:"ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة .. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب". [211]
ويقول السرخسي:"لنا أن المقصود سد خلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة، فإن التصديق عليهم قربة بدليل التطوعات، لأنّا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا، قال الله تعالى: ] لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين [ (الممتحنة: 8) ".[212]
ولئن كان الخلاف بين الفقهاء قويًا في بر أهل الذمة من أموال الزكاة المفروضة، فإنهم أجازوا دفع الكفارة الواجبة إلى أهل الذمة، بل قدمهم الكاساني فيها حتى على المسلم ، لأنها"وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى، لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه". [213]
وأمر القرآن الكريم ورغَّب بالصدقة على غير المسلمين، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا ، فنزلت: ] ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم [ (البقرة: 272) .[214]
وقد جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله r تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم". [215] "
وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين: كنت مع سفيان بن سلمة، فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: ]ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا[ (الإنسان: 8) .
يقول أبو عزيز بن عمير: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله r: (( استوصوا بالأسارى خيرًا ) )، وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز، بوصية رسول الله r إياهم. [216]