لكنه على كل حال لن يجاوز هذه المبالغ البسيطة التي تراعي حالة الناس ويسارهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، وهو ما نفهمه من وصية عمر للخليفة بعده بأهل الذمة، إذ يقول: ( وألا يكلفوا فوق طاقتهم) . [240]
قال ابن حجر:"ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه". [241]
وفي هذا الصدد ينقل آدم متز عن المؤرخ بنيامين قوله:"إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون دينارًا واحدًا". [242]
ويقول دربير في كتابه"المنازعة بين العلم والدين":"إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئًا ضئيلًا من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية". [243]
ويقول مونتسكيو في كتابه"روح الشرائع":"إن هذه الأتاوات المفروضة كانت سببًا لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت - بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة - أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك". [244]
وأما من عجز عن دفع هذا المبلغ الزهيد، فإن الفقهاء أسقطوها عنه، يقول ابن القيم:"تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء". [245]
قال القاضي أبو يعلى:"وتسقط الجزية عن الفقير وعن الشيخ وعن الزَمِن". [246]
وفي مقابل هذه الدنانير المعدودات فإن المسلمين يلتزمون بالدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواحهم في سبيل حماية أهل ذمتهم.
فقد ضمنه كتاب النبي r لربيعة الحضرمي، إذ يقول:"وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين ، وأن أرضهم بريئة من الجور". [247]
وبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط ، حين قال:"نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا ، وكان لكم به عهد علينا ...". [248]
وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق:"فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم". [249]
قال أبو الوليد الباجي:"وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم". [250]
وأكد فقهاء الإسلام على حق أهل الذمة بالحماية، واعتبروا قيام المسلمين به من الوفاء بالعهود الذي تحرسه الشريعة وتأمر به.
قال الماورديّ:"ويلتزم ـ أي الإمام ـ لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين". [251]
وقال النوويّ:"ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالًا، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم". [252]
قال ابن قدامة:"الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة". [253]
وينقل القرافي عن ابن حزم إجماعًا للمسلمين لا تجد له نظيرًا عند أمة من الأمم، فيقول:"من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله r؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". [254]
ويعلق القرافي فيقول:"فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم". [255]
ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي:"يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى". [256]
ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عددًا، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام:"لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيرًا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا"، فأطلقهم الأمير التتري جميعًا. [257]
وهذه الأحكام الشرعية لا تختص بأهل الذمة، بل تسري على كل من كان ببلاد المسلمين من المعاهدين والمستأمنين، فإنهم جميعًا أهل ذمة كما سبق بيانه، يقول السرخسي:"قد بيَّنا أنّ المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل منعة؛ فحالهم كحالِ أهل الذمّة في وجوب نصرتِهم على أمير المسلمين، ودفع الظلم عنهم؛ لأنّهم تحت ولايته."
ألا ترى أنّه كان يجب على الإمام والمسلمين اتّباعهم لاستنقاذهم من أيدي المشركين الذين قهروهم ما لم يدخلوا حصونَهم ومدائنهم، كما يجب عليهم ذلك إذا وقع الظهور على المسلمين، أو على أهل الذمّة؟ وكذلك لو أنّ هؤلاء المستأمنين كانوا من أهل دار الموادعة، دخلوا إلينا بتلك الموادعة". [258] "
وحين عجز المسلمون عن حماية أهل الذمة ردوا إليهم ما أخذوه من الجزية لفوات شرطها، وهو الحماية، فقد روى القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج وغيره من أصحاب السير عن مكحول أن الأخبار تتابعت على أبي عبيدة بجموع الروم، فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين، فكتب أبو عبيدة لكل والٍ ممن خلَّفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جُبي منهم من الجزية والخراج، كتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم ؛ إن نصرنا الله عليهم". [259] "