والمتفلسف قد يطول مع هذا المريض الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه, ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه ؟ لم يكن له بذلك علم.
ولهذا ترى ضعفة العقول يغترون بكلام الفلاسفة؛ لما فيه من الثرثرة والفضفضة التي لا تسمن ولا تغني من جوع, بل يزيدهم حيرة إلى حيرتهم. وأنت - أيها اللبيب - إن أردت لغلتك رويًا, فانهل من معين هذا الرجل, ففيه نيل الطلب وبلوغ الأرب.
-كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه, وإنما يقول: حييت صباحًا وحييت مساء. وكان ذلك تحية القوم بينهم, فلما جاء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أبدلهم بهذه التحية خيرا منها:"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
"السلام"؟!! نعم السلام! فعلمهم أن أحدهم إذا التقى أخاه دعا له من الله بالسلام, والرحمة, والبركة.
فأي شيء بعد هذا ؟
ومن أين له هذا ؟
وهل يدعو للناس بالسلام من لا يريد بهم السلام ؟
وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت !! ونحو ذلك.
فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله, فلما جاء عليه الصلاة والسلام غير ذلك كله في ستر وعفة, وجعله نقيًا نزهًا من الدنس والقذر والدرن: ? يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ? { النور: 27}
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه, ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر, ويقول «السلام عليكم, السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور.
وجاء رجل فوقف على بابه صلى الله عليه وسلم يستأذن, فقام على الباب مستقبل الباب,
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « هكذا عنك ـ أو هكذا ـ فإنما الاستئذان من النظر»
هذا حتى لا يقع عينه على بعض ما بداخل البيت, وفرارا من ذلك فد شَرع لهم الاستئذان.
وعلمهم كذلك أن أحدهم إذا استأذن على أخيه فلم يأذن فلا يلح ويلح عليه؛ ليحرجه, وإنما عليه أن ينصرف بعد الثالث. نعم ثلاث مرات تكفي ! لأنك لا تدري ما المانع له من أن يأذن لك بالدخول ؟ وكونك تنصرف لما لم يمكنه استقبالك يخفف عنه كثيرا, والالتزام بهذه الآداب يقوي عواصر المحبة والود بين أفراد المجتمع. (1)
وكذلك في النكاح, فإنه غير كثيرا من العادات الجاهلية التي توارثها قومه خلفا عن سلف, فغيرها كلها بنظام محكم ومضبوط بقيود وشروط معلومة, مفيدة للجميع.
كان أنكحتهم في الجاهلية على أنحاء عديدة, أذكر لك منها أربعًا:
النكاح الأول: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها, وهو الذي أبقى عليه الإسلام, وإنما زاده نظافة ونضارة.
النكاح الثاني: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.
النكاح الثالث: يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت ومر ت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان،
فتسمى من أحبت منهم باسمه، فيلحق به ولدها . لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.
النكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها،وهن البغايا،كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم , وهو النوع الأول. (1)
ونكاح خامس كان بالإرث: كانوا إذا مات الرجل وترك امرأته, ورثها ابنه الأكبر بعد موته بلا صداق, فإذا كان الولد الأكبر لا يريد الزواج به, أي لا يرغب فيها زوجها بعض إخوانه, وإذا لم يريدوا زواجها غيرهم زوجوها وأخذوا صداقها أو عضلوها حتى تفتدي بما ورثته أو تموت فيرثوها. فجاء الإسلام ونهى عن هذا الفعل الإجرامي:
? يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ? ? ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ? (1) تأمل في هذا التنظيف, أيها اللبيب ! تدرك أن الإسلام هو الذي حرر المرأة وشرفها, ولا حرمها ولا حقرها.
فالحرمان حيث كانت تحرم من جميع حقوقها, كما كان أهل الجاهلية يفعلون.
والتحقير والإهانة -كما هو الشأن في الغرب- حيث صارت المرأة ألعوبة تتناقلها الأيدي, وبضاعة تختار بالذوق والتشهي, وآلة لقضاء اللذات والتسلي؛ عارية عن حرمتها, وحشمتها, وعفتها,وكرامتها, وحصانتها التي كانت لها, والأطم أن أقصيت بعيدا عن مهنتها الشريفة, وهي مهنة صنع الأجيال. كل ذلك, وأوهموها أنهم حرروها, بل ضيعوها.
فالمرأة نفيسة وضعيفة. والنفيس يحفظ, والضعيف يمنع. (خيركم خيركم للنساء) (استوصوا بالنساء خيرا)
وقومه في الجاهلية كانت روح الفوقية والطبقية قوية في نفوسهم, وهو؛ مع أنه كان من أنسبهم, كان يجالس الموالي والعبيد بلا ترفع أو حرج.
وكان يربي جميع أتباعه على المساواة والأخوة في الدين.
مرّ به الملأ من قريش يوما من الأيام, وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم, من ضعفاء المسلمين, فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟