وفي الجماع: أرشدهم إلى آداب سامية: أولا"وفي بضع أحدكم صدقة"قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال: (أريتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) هذا إرشاد إلى مقصد من أعظم مقاصد النكاح, وهو العفاف عن الحرام.
فيقضي الإنسان شهوته في هذا المحل الطاهر المباح ليكفه ذلك عن الحرام الخبيث,والزنا سرطان خبيث يأكل المجتمع الذي انتشر فيه من داخله, وأقبح أنواعه هو الذي يكون في بيت الزوجية.
خلافا لمن ينظر إليه كأي حاجة من الحوائج تقضى:
ومن يهن يسهل الهوان عليه وما لجرح بميت إيلام
وأرشدهم إلى ما ينبغي من المداعبة بين الزوج والزوجة؛ لما فيه من إثارة كل منهما, ويقرب وصول كل من الطرفين إلى المطلوب من قضاء شهوته. وبما أن الرجل هو الأسرع وصولا إلى ذلك, نبهه على إلقاء مطلوب الطرف الآخر في البال؛ كيلا يحرمها من نصيبها؛ بل لا يقوم وإنما يتريث معها حتى تقضي حاجتها, وإذا كانا قد أخذا حظا وافيا من المداعبة كفيا ذلك.
وكذلك أرشد الرجل إلى الوضوء بين كل جماع, أي بين الفواصل التي تكون بين جماع وآخر؛ لأن ذلك أنشط للعود, ولما فيه من مس الماء الذي يطلق الجسم من فتوره الذي يعقب الإنزال, وهو كذلك تطهر يجدد النشاط كالأول أو يكاد.
كذلك آداب: الأكل, والشرب, ومجالسة الإخوان ومصاحبتهم, وإكرام الضيف, وطرق الأهل, ولبس الملابس, وانتعال الحذاء, والنوم, والاستيقاظ, و, و, إلى أشياء يطول عدها مما هو من أمور الناس في معايشهم. ففي كلها يرشدهم ويعلمهم آدابا لم تكن معروفة في حضارة من الحضارات, ولا دين من الأديان.
وهكذا جعل من بهؤلاء سُرُجا يستضاء بها, ونُجُما يهتدى بها.
الجانب الخامس: النظر في الوسائل التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم لفعل هذا الإصلاح والتغيير.
يتمحض من دراسة تاريخ البشرية, أن توحيد الأرض تحت نظام واحد, من التشتت والفوضى ليس بمهمة سهلة؛ خاصة وأن ينطلق من ذلك القطاع الجاف؛ الخالي عن كل نظام وحضارة (1) , فإنها مهمة تضطر إلى عوامل, ووسائل قوية؛ لتنال نجاحا. أربع منها ضروري اكتمالها لدى من ستتم هذه المهمة على يديه:
1)لا بد أن يكون ذا شخصية بارزة جذابة, تتسم بالتكامل والاتزان في جميع الجوانب؛ ليكون قدوة يقتدى بها, وأسوة يتأسى بها, لا أن يبرز في جانب ويغمض في آخر, أو يُفْرط هنا ويفرِّط هناك.
كما هو الشأن في بعض الرجال الذي ينوه بأمره الغربيون, وتجده مكبا طول حياته على مادة ليبرز فيها, وقد تكون مما يعلمه العاديون من الناس اليوم, أو لا يكون لذلك الأمر أية علاقة بمكونات شخصيات الرجال؛ بل بما يحطمها, إلا أنهم قوم انقلبت عندهم المعايير, وتلطخ منظارهم بالهوى والتشهي؛ لا الحق والتهدي. أما ذاك فهو قائد للأبد, وهاد للبشر, والقائد له مؤهلاته, والهادي له مواصفاته.
وقد اجتمعت في شخصيته صلى الله عليه وسلم مؤهلات من أقواها: الاختيار, والإعداد, والإرسال, والإمداد من الله تعالى.
فإنه المختار الذي اختاره الله من خير نسب بني آدم؛ من صميم سلالة إبراهيم, الذي جعل الله في ذريته والنبوة والكتاب, فلم يأت نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته, وجعل له ابنين إسماعيل, وإسحاق, وذكر في التوراة هذا وهذا.
وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل, ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهرت فيما بشرت به النبوات غيره, ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث فيهم رسولا منهم, ثم من قريش, صفوة بني إبراهيم, ثم من بني هاشم صفوة قريش, ومن مكة أم القرى, وبلد البيت الذي بناه إبراهيم, ودعا الناس إلى حجه, ولم يزل محجوجا من عهد إبراهيم, مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف.
وكان صلى الله عليه أكمل الناس تربية ونشأة, أدبه ربه فأحسن تأديبه, فلم يزل معروفا بالصدق والبر والعدل, ومكارم الأخلاق, وترك الفواحش والظلم, وكل وصف مذموم, مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة, وممن آمن به وممن كفر بعد النبوة, لا يعرف له شيء يعاب به, لا في أقواله, ولا في أفعاله, ولا في أخلاقه, ولا جرب عليه كذبة قط, ولا ظلم, ولا فاحشة, وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله.
والنظر في سيرته وصفاته, لا يبقي أدنى شك عند كل عاقل, في كونه هو المؤهل لأن يكون قائد البشرية نحو فلاحها وصلاحها للأبد.
وهاك قطوف من حياته الطاهرة, وسيرته العطرة, عليه الصلاة والسلام (1) :
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: « كان رسول الله أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير (2) »
وعنه رضي الله عنه قال: «كان بعيد ما بين المنكبين عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه عليه حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه (3) »
وعن كعب بن مالك قال: « كان النبي إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر (4) »
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: « كان رسول الله ضخم الرأس والقدمين لم أر قبله ولا بعده مثله وكان بسط الكفين ضخم اليدين »
وعن أنس رضي الله عنه قال: « كان رسول الله ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط (5) »
وعنه رضي الله عنه قال: « كان رسول الله أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ وما مسست ديباجة ولا حريرا ألين من كف رسول الله ولا شممت مسكا ولا عنبرة أطيب من رائحة (6) »
وعن جابر رضي الله عنه قال: « كان رسول الله لا يسلك طريقا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه (7) »