فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 1037

وهو في كل وقت, يظهر على يديه من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه ويخبرهم بخبر ما كان وما يكون, ويأمرهم بالمعروف, وينهاهم عن المنكر, ويحل لهم الطيبات, ويحرم عليهم الخبائث, ويشرع الشريعة شيئا بعد شيء, حتى أكمل الله دينه الذي بعث به, وجاءت شريعته أكمل شريعة, لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به, ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه, لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به, ولا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه, وأحل الطيبات, لم يحرم شيئا منها كما حرم في شرع غيره, وحرم الخبائث, لم يحل منها شيئا كما استحله غيره, وجمع محاسن ما عليه الأمم فلا يذكر في التوراة, والإنجيل, والزبور, نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر, إلا وقد جاء به على أكمل وجه؛ وأخبر بأشياء ليست في الكتب.

فليس في الكتب إيجاب لعدل, وقضاء بفضل, وندب إلى الفضائل, وترغيب في الحسنات, إلا وقد جاء به, وبما هو أحسن منه.

وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها, وعبادات غيره من الأمم, ظهر فضلها ورجحانها, وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع. (1)

وآيته الكبرى صارخة بصدقه, وقد تحدى بها الإنس والجان؛ مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب, فما أجاب لتحديه ألد أعداءه إلى الآن, وهم لو استطاعوا بيان كذبه لما ترددوا فيه ثانية, لكنهم لم يفعلوا, وإنما بقوا يصيحون ويقولون:"دعاية"!!! أ هم رجال ؟

? قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ? {الإسراء:88}

أخبر بهذا في أول أمره إذ كانت هذه الآية في سورة « سبحان » وهي مكية, صدرها بذكر الإسراء الذي كان بمكة باتفاق الناس.

وقد أخبر خبرا وأكده بالقسم عن جميع الثقلين, إنسهم وجنهم, أنهم إذا اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن, لا يأتون بمثله, بل يعجزون عن ذلك, وهذا فيه آيات لنبوته.

و إقدامه على هذا الخبر العظيم عن جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة, بأنهم لا يفعلون هذا بل يعجزون عنه, لا يفعله من يطلب الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك, إذ لو كان عنده شك في ذلك لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر, فيفسد عليه ما قصده, وهذا لا يقدم عليه عاقل, مع اتفاق الأمم, المؤمن بمحمد والكافر به, على كمال عقله ومعرفته وخبرته إذ ساس العالم سياسة لم يسسهم أحد بمثلها.

ثم لم يكن تحديه في أمر يفوت بفوات أوانه, بل جعله في هذا القرآن المتلو المحفوظ إلى يوم القيامة, الذي يقرأ به في الصلوات, ويسمعه العام والخاص, والولي والعدو دليل على كمال ثقته بصدق هذا الخبر, وإلا لو كان شاكا في ذلك, لخاف أن يظهر كذبه عند خلق كثير, بل عند أكثر من اتبعه ومن عاداه, وهذا, لا يفعله من يقصد أن يصدقه الناس, فمن يقصد أن يصدقه الناس, لا يقول مثل هذا ويظهره هذا الإظهار, ويشيعه هذه الإشاعة, ويخلده هذا التخليد, إلا وهو جازم عند نفسه بصدقه.

ولا يتصور أن بشرا يجزم بهذا الخبر إلا أن يعلم أن هذا مما يعجز عنه الخلق إذ علم العالم بعجز جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة, هو من أعظم دلائل كونه معجزا وكونه آية, على نبوته فهذا من دلائل نبوته في أول الأمر عند من سمع هذا الكلام وعلم أنه من القرآن الذي أمر ببلاغه إلى جميع الخلق وهو - وحده - كاف في العلم بأن القرآن معجز.

دع ما سوى ذلك من الدلائل الكثيرة على أنه معجز, مثل عجز جميع الأمم عن معارضته مع كمال الرغبة والحرص على معارضته.

وعدم الفعل مع كمال الداعي يستلزم عدم القدرة.

فلما كان دواعي العرب وغيرهم على المعارضة تامة. علم عجز جميع الأمم عند معارضته, وهذا برهان ثان يعلم به صدق هذا الخبر وصدق هذا الخبر آية لنبوته, غير العلم بأن القرآن معجز, فإن ذلك آية مستقلة لنبوته وهي آية ظاهرة باقية إلى آخر الدهر, معلومة لكل أحد وهي من أعظم الآيات فإن كونه معجزا يعلم بأدلة متعددة, والإعجاز فيه وجوه متعددة, فتنوعت دلائل إعجازه وتنوعت وجوه إعجازه وكل وجه من الوجوه, هو دال على إعجازه وهذه جمل, لبسطها تفصيل طويل, ولهذا قال تعالى: ? وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ? {العنكبوت: 51}

فهو كاف في الدعوة والبيان, وهو كاف في الحجة والبرهان.

هذا, لو كان الرجل طامعا في الملك وأعراض الدنيا, لأمكن القول بأنه أتى بدعايات فارغة لنيل مأربه, ولم يكن يغتم لانكشاف أباطيله بعد ذلك, إلا أن الرجل أزهد الناس عن الدنيا: ( ما لي وللدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها )

و لو كان هذا الكتاب من وضعه بالفعل؛ كما يقولون, وقد تحدى به الإنس الجن فلم يقدروا على الإتيان بمثله, لكان فخره بأنه من وضعه الخاص, ولم يشاركه فيه أحد, أعظم وأولى من أن ينسبه إلى غيره ويصرح بأنه ليس له فيه إلا مجرد التبليغ.

وفي هذا المعنى أيضا, أنه لما فصل الحق في أمر عيسى عليه السلام, قال: ? فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ? {آل عمران:61}

ولو كان يعلم أنه غير صادق لما أقدم على فضح نفسه, لأنهم لو أجابوه لكان فيه بيان كذبه على كل حال, وهو عكس قصده, وإذا لم يجيبوه في حياته فقد يجيبون أتباعه من بعده, فكان فيه إيقاع لهم في الحرج والضيق !

ولما نزلت عليه هذه الآية, بادر إلى الخروج بأهله دون توقف أو تردد, وطالبهم بذلك فامتنعوا, وهم لو تيقنوا كذبه وصدقهم لما كان لامتناعهم عن إظهار صدقهم وكذبه الذي تحداهم به أي معنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت