فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 1037

ثالثًا: أن يمكَّن المجموعة المسلمة من القدرة على أداء واجب تبليغ رسالة الإسلام العالمية لمن يعيشون بين ظهرانيهم، بلسانهم الذى يفهمونه، ليبينوا لهم، ويدعوهم على بصيرة، ويحاوروهم بالتى هى أحسن، كما قال الله تعالى: (قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى) يوسف:108 ، فكل من اتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم فهو داع إلى الله، وداع على بصيرة ، وخصوصًا من كان يعيش بين غير المسلمين .

رابعًا: أن يعاونها على المرونة والانفتاح المنضبط، حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها، وتنعزل عن مجتمعها، بل تتفاعل معه تفاعلًا إيجابيًا، تعطيه أفضل ما عندها، وتأخذ منه أفضل ما عنده، على بينة وبصيرة، وبذلك تحقق المجموعة الإسلامية هذه المعادلة الصعبة:محافظة بلا انغلاق ، واندماج بلا ذوبان .

خامسًا: أن يسهم في تثقيف هذه الأقليات وتوعيتها، بحيث تحافظ على حقوقها وحرياتها الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى كفلها لها الدستور، حتى تمارس هذه الحقوق المشروعة دون ضغط ولا تنازلات .

سادسًا: أن يعين هذا الفقه المجموعات الإسلامية على أداء واجباتهم المختلفة: الدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها، دون أن يعوقهم عائق، من تنطع في الدين، أو تكالب على الدنيا، ودون أن يفرطوا فيما أوجب الله عليهم، أو يتناولوا ما حرم الله عليهم، وبهذا يكون الدين حافزًا محركًا لهم، ودليلًا يأخذ بأيديهم، وليس غلًا في أعناقهم، ولا قيدًا بأرجلهم .

سابعًا: أن يجيب هذا الفقه المنشود عن أسئلتهم المطروحة ، ويعالج مشكلاتهم المتجددة ، في مجتمع غير مسلم، وفى بيئة لها عقائدها وقيمها ومفاهيمها وتقاليدها الخاصة، في ضوء اجتهاد شرعى جديد، صادر من أهله في محله .

خصائص هذا الفقه المنشود

ولهذا الفقه المنشود خصائص لابد أن يراعيها، حتى يؤتى أكله، ويحقق أهدافه، تتمثل فيما يلى:

1-فهو فقه ينظر إلى التراث الإسلامى الفقهى بعين، وينظر بالأخرى إلى ظروف العصر وتياراته ومشكلاته. فلا يهيل التراب على تركة هائلة أنتجتها عقول عبقرية خلال أربعة عشر قرنًا، ولا يستغرق في التراث بحيث ينسى عصره وتياراته ومعضلاته النظرية والعملية، وما يفرضه من دراسة وإلمام عام بثقافته واتجاهاته الكبرى على الاقل. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

2-يربط بين عالمية الإسلام وبين واقع المجتمعات التى يطب لها ويشخص أمراضها، ويصف لها الدواء من صيدلية الشريعة السمحة، فقد رأينا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يراعى طبائع الأقوام وعاداتهم، كما قال: (إن الأنصار يعجبهم اللهو) وكما أذن للحبشة أن يرقصوا بحرابهم في مسجده.

3-يوازن بين النظر إلى نصوص الشرع الجزئية، ومقاصده الكلية، فلا يغفل ناحية لحساب أخرى، ولا يعطل النصوص الجزئية من الكتاب والسنة، بدعوى المحافظة على روح الإسلام، وأهداف الشريعة، ولا يهمل النظر إلى المقاصد الكلية والأهداف العامة, استمساكًا بالظواهر وعملًا بحرفية النصوص .

4-يرد الفروع إلى أصولها، ويعالج الجزئيات في ضوء الكليات، موازنًا بين المصالح بعضها وبعض، وبين المفاسد بعضها وبعض، وبين المصالح والمقاصد عند التعارض في ضوء فقه الموازنات ، وفقه الأولويات .

5-يلاحظ ما قرره المحققون من علماء الأمة من أن الفتوى تختلف باختلاف المكان والزمان والحال والعرف وغيرها. ولا يوجد اختلاف بين زمان وزمان مثل اختلاف زماننا عن الأزمنة السابقة، كما لا يوجد اختلاف مكان عن مكان، كالاختلاف بين دار استقر فيها الإسلام وتوطدت أركانه وقامت شعائره، وتأسست مجتمعاته ،ودار يعيش فيها الإسلام غريبًا بعقائده ومفاهيمه وقيمه وشعائره وتقاليده .

6-يراعى هذه المعادلة الصعبة: الحفاظ على تميز الشخصية المسلمة للفرد المسلم وللجماعة المسلمة مع الحرص على التواصل مع المجتمع من حولهم، والاندماج به والتأثير فيه بالسلوك والعطاء (4) .

المراجع

(19) أحمد الراوى - اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا - الإسلام والمسلمون والعمل الإسلامى في أوروبا .

(20) تتعمد الصين وروسيا أيضًا التقليل من الأعداد المعلنة للمسلمين في كلا البلدين لأسباب استراتيجية، بسبب محاولات الأقلية المسلمة في الصين الاستقلال عن الدولة الشيوعية ، والحرب التى تشنها روسيا على المسلمين الشيشان .

(21) الإمام محمد أبو زهرة - العلاقات الدولية في الإسلام - دار الفكر العربى - القاهرة 1994م .

(22) د. يوسف عبد الله القرضاوى - في فقه الأقليات المسلمة - دار الشروق - مصر .

الفصل السابع

ماذا قدمنا للآخرين ؟

لعل أقوى رد على منكرى التواصل والتعارف بين المسلمين والآخر ، هو تلك المآثر العظيمة التى سجلتها أقلام غربية منصفة أبت إلا تذكير العالم بما قدمه المسلمون والعرب للحضارة الإنسانية .. فقد كنا دومًا رسل هداية ورحمة وعطاء كما أمرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وفيما يلى نسوق أمثلة فحسب ، لأننا لو أردنا الإطالة لاحتجنا إلى مجلدات لحصر كل ما قدمناه للإنسانية ..

ذكرت مجلة"اليونسكو" (عدد تشرين الأول 1980م في الصفحة 38) : أن كتاب القانون - لابن سينا - بقى يُدرَّس في جامعة بروكسل حتى سنة 1909م ، وقال د. أوسلر:لقد عاش كتاب القانون مدة أطول من أى كتاب آخر كمرجع أوحد في الطب، وقد وصل عدد طبعاته إلى خمس عشرة طبعة في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن السادس عشر، وقد زاد عدد الطبعات أكثر في القرن السابع عشر، فابن سينا مكن علماء الغرب من الشروع في الثورة العلمية، التى بدأت فعلًا في القرن الثالث عشر وبلغت مرحلتها الأساسية في القرن السابع عشر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت