فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 1037

وكأني به - رحمه الله - يرد على ما سيقول الصفدي في ترجمته ، فقد قال:"وضيّع الزمان في رده على النصارى والرافضة ومن عاند الدين وناقضه، ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلوم بدرِّ كلامه النظيم". [410]

ويقول ابن القيم داعيًا إلى محاورة أهل الكتاب:"جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليولِ ذلك إلى أهله، وليخلِ بين المطي وحاديها، والقوس وباريها". [411]

وأما موضوع الدعوة والحوار فإنه حول أصول الدين وسبيل سعادة الدارين: ]يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ (آل عمران: 64) .

قال الطبري:"قل يا محمد لأهل الكتاب - وهم أهل التوراة والإنجيل - ]تعالوا [ هلموا ] إلى كلمة سواء[، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل هي أن نوحد الله، فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا."

وقوله: ] ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا [ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه، ] فإن تولوا [ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: ] اشهدوا بأنا مسلمون [".[412] "

والنبي r كانت دعوته ترجمانًا واقعًا لما أمر الله تعالى به من دعوة، فقد دعا r المشركين إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم ومللهم، وكان r يدعوهم ويحاورهم، وخص أهل الكتاب بمزيد من عنايته، وكان أبرز هذه الحوارات حواره مع نصارى نجران، ومكاتباته لملوك الأرض.

كما كان رسول الله r يغشى الناس في مجالسهم يدعوهم ويحاورهم، ومنه ما رواه الإمام أحمد من حديث عوف بن مالك قال: انطلق النبي r يومًا وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله r: (( يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلًا يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضبَ الذي غضب عليه ) ). قال: فأسكتوا، ما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه أحد، ثم ثلّث فلم يجبه أحد.

فقال: (( أبيتم، فوالله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم ) ).

ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج، نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد. قال: فأقبل. فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمون فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك.

قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. قالوا: كذبت. ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرًا.

قال رسول الله r: (( كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه، وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم ) ).

قال: فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله r وأنا وعبد الله بن سلام، وأنزل الله عز وجل فيه: ]قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [ (الأحقاف: 10) . [413]

ومن صور الحوار في الصدر الأول ما يحكيه ثوبان رضي الله عنه، إذ يقول: كنت قائمًا عند رسول الله r، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعتُه دفعة كاد يصرع منها. فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله r: (( إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي ) ). فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله r: (( أينفعك شيء إن حدثتك؟ ) )قال: أسمع بأذني. فنكت رسول الله r بعود معه فقال: (( سل ) ).

فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله r: (( هم في الظلمة دون الجسر ) ).

قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: (( فقراء المهاجرين ) ).

قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: (( زيادة كبد النون ) ).

قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: (( ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ) ).

قال: فما شرابهم عليه؟ قال: (( من عين فيها تسمى سلسبيلا ) ). قال: صدقت.

قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان؟ قال: (( ينفعك إن حدثتك؟ ) )قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: (( ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منيُُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله ) ).

قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله r: (( لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به ) ). [414]

إذًا نخلص إلى القول بأن حوار الدعوة واجب ديني تتابعت النصوص على الدعوة إليه، وهو مطلب أخلاقي يفرضه علينا رحمتنا بالآخرين، وحرصنا على هدايتهم، واستنقاذهم من أوضار الكفر والعقاب الأخروي.

ب. حوار التعامل

رأينا أن بقاء الاختلاف بين البشر في أديانهم ومللهم واقع، شاءه الله بمشيئته وإرادته الكونية، فكيف يتعايش المختلفون؟ وماهو الأسلوب الأمثل لبناء العلاقات البشرية؟ أوليس هو الحوار والتعايش والبحث عن القواسم الحياتية المشتركة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت