فهرس الكتاب
فقال عبد الله بن الزبير، وهو عند الوليد، حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا بها لآخذن سيفي، ولأقومن عنده ومعه، حتى ينصف من حقه، أو نموت جميعًا". [422] "
وقد يشكل هنا قول النبي r: (( لا حلف في الإسلام ) )، فيفهم منه قطع الحلف، وهذا المعنى غير صحيح، فالرواية في صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم: (( لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) ). [423]
وتأكيدًا لهذا الفهم نسوق رواية البخاري عن أنس بن مالك، لما سئل: أبلغك أن النبي r قال: (( لا حلف في الإسلام ) )؟ قال: قد حالف النبي r بين قريش والأنصار في داري. [424]
قال الطبري:"ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه , فإنّ الإخاء المذكور كان في أوّل الهجرة ، وكانوا يتوارثون به , ثم نسخ من ذلك الميراث وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو التّعاون على الحقّ والنّصر والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له." [425]
وقال القرطبي:"قال العلماء: فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الإسلام، وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله: (( لا حلف في الإسلام ) )والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابًا عامًا على قدر من المكلفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين، فقال تعالى: ]إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم [ (الشورى: 42) ".[426]
وقال ابن حجر:"ويمكن الجمع بأن المنفيّ ما كانوا يعتبرونه في الجاهليّة من نصر الحليف ولو كان ظالمًا، ومن أخذ الثّأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها، ومن التّوارث ونحو ذلك , والمثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم والقيام في أمر الدّين ونحو ذلك من المستحبّات الشّرعيّة كالمصادقة والمواددة وحفظ العهد". [427]
وهكذا، فإن الأمة المسلمة لا تتوقف في حوارها مع الآخرين على القضايا الدينية، بل تمد أيديها إلى الآخرين ، وهي تسعى في حوارها إلى تحقيق المصالح المشتركة التي تنشدها الأطراف المختلفة ، عبر حوار التعامل والتعايش الذي يؤمِّن المزيد من الاستقرار والرخاء لشعوب الإنسانية، ويعين البشرية على تجاوز الكثير من الشرور على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي والسياسي، وغيرها.
ج 0 حوار الوحدة
وهو الحوار الذي يهدف إلى إزالة الفروق والاختلافات العقدية والشعائرية بين المتحاورين وتمييع خصائص الأديان وتجاوزها تجاه وحدة الأديان والتقريب بينها.
وهذه الدعوة التلفيقية قديمة متجددة، ترعاها مؤسسات من مختلف الملل والنحل، ولكل منها أهدافه التي يرنو من خلالها إلى اجتذاب الآخرين وصهرهم في بوتقته.
ولعل من أبرز من ينادي بالوحدة بين الأديان؛ الحركة الماسونية بمناشطها ومؤسساتها المختلفة وامتداداتها المعاصرة، يقول محمد رشاد فياض رئيس محفل الشرف الأعظم الماسوني محققًا هدف الماسونية المزعوم المتمثل في الإخاء الإنساني:"الميمات الثلاثة في الموسوية والمسيحية والمحمدية يجتمعون [هكذا] في ميم واحدة هي ميم الماسونية، لأن الماسونية عقيدة العقائد.. وإن باءَيْ البوذية والبرهمية يجتمعان في باء البناء، بناء هيكل المجتمع الإنساني". [428]
ووصل هذا الاتجاه التلفيقي إلى المسلمين أول ما وصل عن طريق غلاة الصوفية من القائلين بالحلول والاتحاد، كابن سبعين وابن هود والتلمساني .. حيث يجوزون التدين بمختلف الأديان، يقول ابن تيمية:"بل يجوزون التهود والتنصر، وكل من كان من هؤلاء واصلًا إلى علمهم فهو سعيد، وهكذا تقول الاتحادية منهم, كابن سبعين وابن هود والتلمساني ونحوهم، ويدخلون مع النصارى بيعهم، ويصلون معهم إلى الشرق، ويشربون معهم ومع اليهود الخمر، ويميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين". [429]
يقول ابن عربي:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن دينه إلى ديني داني
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
وقد كان جهل التتار بالإسلام سببًا في تبنيهم لهذه الدعوة أيضًا، يقول ابن تيمية رحمة الله عليه:"فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين ... وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يرجح دين المسلمين، وهذا القول فاش غالب فيهم حتى في فقهائهم وعبّادهم، لاسيما الجهمية من الاتحادية الفرعونية ونحوهم، فإنه غلبت عليهم الفلسفة، وهذا مذهب كثير من المتفلسفة أو أكثرهم". [430]
ويقول رحمه الله:"وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا، فإن الإسلام عندهم خير من غيره، وإن كان غيره جائزًا". [431]
ثم دبَّت الحياة من جديد في فكرة وحدة الأديان على أيدي البهائية الباطنية، ثم جمال الدين الأفغاني ومدرسته العقلانية، فقد أسس محمد عبده، والقس الإنجليزي إسحاق تيلور، وجمال رامز بك (قاضي بيروت) ، بمشاركة نفر من الإيرانيين، أسسوا جمعية سرية للتقريب بين الأديان في بيروت، وذلك عام (1301هـ/ 1883م) .
يقول الأفغاني في الأعمال الكاملة:"هكذا نجد الأديان الثلاثة: الموسوية والعيسوية والمحمدية على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية .. لقد لاح لي بارق أمل كبير: أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثل ما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها".