فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 1037

ومنه توعد المسيح قومه: ] وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ[ (المائدة: 72) .

فهذا الدين العظيم حقيقته التوحيد والاستسلام لله تعالى، لذا أطبق الأنبياء على تسميته بالإسلام:

فأبو الأنبياء نوح يقول لقومه: ] وأمرت أن أكون من المسلمين [ (يونس: 72) ، يقول ابن القيم:"فهذا نوح الذي غرق أهل الأرض بدعوته وجعل جميع الآدميين من ذريته يذكر أنه أمر أن يكون من المسلمين". [440]

وإبراهيم يدعو ربه: ]ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك[ (البقرة: 128) .

وإلى عبادة الله وتوحيده دعا لوط عليه السلام قومه، لكن النتيجة ] فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين[ (الذاريات: 36) .

وهذا الذي قرت به عين يعقوب قبل مماته ] إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون[ (البقرة: 133) .

كما طلب موسى من قومه الإذعان لمقتضيات الإسلام الذي دخلوا فيه ] يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [ (يونس: 84 ) ، فاستجاب لندائه سحرة فرعون وقالوا: ] ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين[ (الأعراف: 126) .

وبمثل هذا دعا يوسف: ] توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين[ (يوسف: 101) .

ولما دخلت ملكة سبأ بلاط سليمان نادت: ] رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين[ (النمل: 44) .

وأنزل الله التوراة ليحكم بها أنبياء الله المسلمين: ] يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا[ (المائدة: 44) .

فالدين عند الله واحد، اسمه الإسلام، وحقيقته الاستسلام لله بتوحيده وطاعته جل وعلا، وهذا فقط ما ينجي البشرية عند باريها: ] ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [ (آل عمران: 85) فهذا الاسم اختاره الله لدينه وأوليائه: ] هو سماكم المسلمين من قبل[ ( الحج: 78) .

وقال رسول الله r: (( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد ) ) [441] ، قال ابن حجر:"ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع". [442]

يقول ابن القيم:"فهؤلاء الأنبياء كلهم وأتباعهم، كلهم يذكر الله تعالى أنهم كانوا مسلمين، وهذا مما يبين أن قوله تعالى ]ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [ (آل عمران: 85) ، وقوله: ] إن الدين عند الله الإسلام[ (آل عمران: 19) ، لا يختص بمن بعث إليه محمد r ، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين."

ولهذا قال تعالى: ] ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا واتخذ الله إبراهيم خليلًا [ (النساء: 125) ، وقال تعالى: ] وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ (البقرة: 111-112) ".[443] "

قال شيخ الإسلام:"فدين الأنبياء واحد، وهودين الإسلام، كلهم مسلمون مؤمنون، كما قد بين الله في غير موضع من القرآن، لكن بعض الشرائع تتنوع". [444]

وصدق الله العظيم وهو يربط رسالته الخاتمة برسالاته السابقة: ] شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه[ (الشورى: 13) .

آداب الحوار

لن يجد المتأمل في آيات القرآن وهدي سيد الأنام كبير صعوبة في التوصل إلى آداب الحوار وأخلاقياته، فالقرآن أوضح بجلاء ما ينبغي على المسلم أن يتصف به وهو يحاور غير المسلمين، بينما كان هدي النبي r ترجمان ذلك ومصداقه.

والآداب في هذا الباب كثيرة، منها:

1-القول الحسن أثناء الحوار

لما كان الحوار وسيلة من وسائل الدعوة والتعريف بالإسلام، توجب على الدعاة أن يتخلقوا حال دعوتهم بأخلاق الإسلام، ويجتنبوا السوء من القول، ويلتزموا الحسن منه، قال الله تعالى: ] وقولوا للناس حسنًا[ (البقرة: 83) .

قال القرطبي:"وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر والسني والمبتدع مداهنة، أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ]فقولا له قولًا لينًا[ (طه: 44) ، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه."

وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله تعالى: ] وقولوا للناس حسنًا [ فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى".[445] "

وقال الحسن:"لين القول من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله، وأحبه ... قال عطاء بن أبي رباح: من لقيت من الناس فقل له حسنًا من القول". [446]

ويأمر الله عباده أن يقولوا التي هي أحسن: ]قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم [ (الإسراء: 53) . قال القرطبي:"نزلت في عمر بن الخطاب، وذلك أن رجلًا من العرب شتمه وسبه، وهمّ بقتله، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله تعالى فيه ] وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ["[447]

قال الحسن:"هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله، يرحمك الله.. وعلى هذا تكون الآية عامة في المؤمن والكافر، أي قل للجميع". [448]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت