فهرس الكتاب
فقد قال تعالى مثبتًا بعض خصال الخير لأهل الكتاب: ]ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[ (آل عمران: 75) .
وكذا أثنى النبي r على النجاشي بما فيه من خِلال الخير، وهو يومئذ على الكفر، فقال لأصحابه: (( إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد , فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا ) ). [495]
وفي درس بليغ آخر يقبل النبي r من يهودي نصيحته، ففي الحديث ترويه قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: أتى حبر من الأحبار رسولَ الله r فقال: يا محمد، نِعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون؟ قال: (( سبحان الله! وما ذاك؟ ) )قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة.
قالت: فأمهل رسول الله r شيئًا ثم قال: (( إنه قد قال [أي حقًا] ، فمن حلف فليحلف برب الكعبة ) ). [496]
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول:"اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا - أو قال فاجرًا - واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورًا". [497]
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:"ولكنّ الحق يقبل من كل من تكلم به". [498]
وهكذا فإن الحق رائد المحاور المسلم، كائنًا من كان قائله، ورفض الحق والاستكبار عن قبوله من الآخر مجاف لآداب الإسلام، الذي يوصي المؤمنين: ]ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى[ (المائدة:2) .
8-حسن الاستماع للمحاور الآخر
من أهم الآداب التي لا ينفك عنها الحوار؛ حسنُ الاستماع للمحاور الآخر، إذ لا يمكن تحقيق المرجو من الحوار إذا كان من طرف واحد، بل لا يمكن تسميته حينذاك حوارًا، ولا يخفى أن المحاور المسلم سيسمع من محاوره نصرة لدينه الباطل وكفرًا بالمعتقد الحق الذي يدعو هو إليه، لكن سماعه لذلك ضروري ليُسمع الآخرين هدي الله.
وقد جلس النبي r إلى عتبة بن ربيعة يستمع إليه، وهو يعرض على النبي r حطامًا من الدنيا، ويطلب منه التخلي عن دعوته ودينه في مقابلها، يقول ابن هشام:"حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله r يستمع منه قال: (( أقد فرغت يا أبا الوليد؟ ) )قال: نعم. قال: (( فاسمع مني ) )قال: أفعل". [499]
ومن هذا الأدب السامي استلهم عطاء بن أبي رباح خصلة من خصال الخلق الجم، فيقول:"إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأنصت له، كأني لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد". [500]
ولا ريب أن تخلق المحاور المسلم بهذه الآداب واجب شرعي، وهو أدعى إلى قبول دعوته وسماع حجته، فالدعوة إلى الإسلام بالحوار والجدال ينبغي أن تكون منضبطة بالوسائل والآداب الشرعية التي رأيناها في كتاب الله وسنة رسوله r.
هل آيات الأمر بالدعوة والجدال والحوار منسوخة بآية السيف؟
لكن ما سقناه من آيات كريمة تحث على جدال المشركين بالتي هي أحسن، وتأمر المسلمين بحسن دعوتهم يراه بعض أهل العلم منسوخًا بآية السيف، وهي قوله تعالى: ] وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة[ (التوبة: 36) ، حيث جعلت الآية - حسب رأيهم - شِرعة الجهاد وسيلة الدعوة للكفار، وحين تخضع أو تزول دولتهم وتذل بالجزية رقابهم، حينئذ يستيقظ ما غاب عنهم من عقولهم وما انطمس من فطرهم.
وقال ابن عطية في تفسيره لآية السيف:"وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو ما جرى مجرى ذلك، وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية". [501]
وهذا الرأي على شهرته في كتب التفسير تضعفه أمور:
-أن النسخ يتضمن رفع حكم شرعي ثبت بدليل شرعي، فلا يصح هذا الرفع والنسخ إلا بدليل معتبر شرعًا، يقول الشاطبي:"إن الأحكام إذا ثبتت على المكلف، فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق، لأن ثبوتها على المكلف أولًا محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق."
ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبرَ المتواتر؛ لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون. فاقتضى هذا أن ما كان من الأحكام المكية يدعى نسخه، فلا ينبغي قبول تلك الدعوى فيه إلا مع قاطع بالنسخ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، ولا دعوى الإحكام فيهما. وهكذا يقال في سائر الأحكام، مكية كانت أو مدنية". [502] "
ونقل السيوطي عن ابن الحصار الأنصاري قوله:"إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله r، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا".
ثم ذكر السيوطي أمرًا آخر يدفع العلماء إلى القول بالنسخ، وهو تعارض النصوص، الذي لا سبيل للجمع فيه، يقول:"وقد يحكم به عند التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ، لنعرف المتقدم والمتأخر.. ولا يعتمد في النسخ قول عوامّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بيّنة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده r. والمعتمد فيه: النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد". [503]
ويسوق ابن حزم ضابطًا ثالثًا لصحة ادعاء النسخ، ألا وهو الإجماع، فيقول:"فإذا اجتمعت علماء الأمة كلهم بلا خلاف من واحد منهم على نسخ آية أو حديث، فقد صح النسخ حينئذ".
أما إذا لم يحصل الإجماع - كما في مسألتنا - فإنه لا يُصار إلى النسخ إلا"إن وجدنا الأمرين لا يمكن استعمالهما معًا، أو وجدنا أحدهما كان بعد الآخر بلا شك، أو وجدنا نصًا جليًا يصرح بالنسخ، ووجدنا نصًا في ذلك من نهي بعد أمر، أو أمر بعد نهي".