فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 1037

معاذ الله من هذا الزعم الباطل، وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة - كما تقدم -، وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقهم عليه أبدًا؛ فإنه دين باطل، فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ أو التخصيص؟...

بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِر الله منهم عباده وبلاده". [512] "

ويسوق القرطبي حجة لمن أثبت الإحكام لبعض هذه الآيات، فيقول:"والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، إن الله بعث محمدًا بالحق قالت: أنا عجوز كبيرة والموت أقرب إليّ ! فقال عمر: اللهم أشهد، وتلا: ] لا إكراه في الدين [ (البقرة: 256) .[513] ، فاستشهاد عمر بالآية دليل على أنه يراها محكمة."

ومثله صنع عمر مع مملوكه أسبق فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده عن أسبق قال: كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى، فيقول: ]لا إكراه في الدين [ ويقول: (يا أسبق، لو أسلمتَ لاستعنّا بك على بعض أمور المسلمين) .[514]

وأكد ذلك رضي الله عنه في عهدته المشهورة لأهل القدس، فقد جاء فيها"هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب - أمير المؤمنين - أهل إيليا من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها: ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ، ولا ينتقص منها، ولا من خيرها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم..". [515]

وبخصوص آية السيف، فإن العلماء لهم فيها تأويلات سوى تأويلها المشهور، فقد فسرها الطبري بأنها دعوة للوحدة في وجه المشركين، لا أنها تدعو لقتالهم أجمعين، يقول الطبري:"يقول جل ثناؤه: ]وقاتلوا المشركين [ بالله - أيها المؤمنون - جميعًا غير مختلفين، مؤتلفين غير مفترقين، كما يقاتلكم المشركون جميعًا، مجتمعين غير مفترقين".[516]

ونقل عن ابن عباس وقتادة والسدي أقوالًا في ذلك، فالآية - وفق تفسيره - ليست أمرًا بشن الحرب على الكفار جميعًا، بل دعوة للتناصر والوحدة في وجه العدو الذي يقاتلنا مجتمعًا.

والقول بنسخ آيات الجدال يعارضه قول طائفة من العلماء من التابعين وغيرهم، يرون آيات الجدال محكمة، ومنه قول مجاهد عن قوله تعالى: ]ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [ قال:"هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا ] إلا الذين ظلموا منهم[ معناه: ظلموكم، وإلا فكلهم ظلم على الإطلاق...".

ثم ساق القرطبي قول القائلين بالنسخ، وأتبعه بقوله:"وقول مجاهد حسن، لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها: إنها منسوخة؛ إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا القول ابن العربي". [517]

قال ابن تيمية:"فهذا مجاهد لا يجعلها منسوخة، وهو قول أكثر المفسرين". [518]

ومن هؤلاء المفسرين ابن كثير، فهو أيضًا يميل إلى رد دعوى النسخ في آيات جدال الكفار، فيقول:"بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ الآية، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ] فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى [، وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد".[519]

وقال ابن الجوزي:"وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وفيه بُعد، لأن المجادلة لا تنافي القتال، ولم يقل له: اقتصر على جدالهم، فيكون المعنى: جادلهم، فإن أبوا فالسيف، فلا يتوجه نسخ". [520]

-وكذا ادعى بعض أهل العلم النسخ في قوله تعالى: ]فإنما عليك البلاغ [ (آل عمران:20) ، لكن غيرهم من العلماء ضعفوه وخالفوهم فيه، وردوا عليهم دعواهم لعدم الدليل عليها. قال القرطبي:"أي: إنما عليك أن تبلغ، قيل: إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ابن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها".[521]

-وقد ادعوا النسخ أيضًا في قوله تعالى: ] وإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين [ (النحل: 82) ، قال ابن الجوزي:"ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال، ثم نسخ بآية السيف، وقال بعضهم: لما كان حريصًا على إيمانهم مزعجًا نفسه في الاجتهاد في ذلك سكّن جأشه بقوله: ] إنما أنت نذير [ (هود: 12) و] فإنما عليك البلاغ [، والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح، فعلى هذا لا نسخ". [522]

-وقال ابن الجوزي عن آية سورة الرعد ] فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [ (الرعد: 40) :"قالوا: نسخ بآية السيف، وعلى ما سبق تحقيقه في نظائرها لا وجه للنسخ".[523]

-وادعى بعض أهل العلم نسخ قوله تعالى: ] لست عليهم بمسيطر [ (الغاشية: 22) ، فقال ابن الجوزي:"وقد قال بعض المفسرين في معناها: لست عليهم بمسلط، فتكرههم على الإيمان، فعلى هذا لا نسخ...".[524]

-وادعى بعض أهل العلم أيضًا نسخ آية سورة التين، وهي قوله: ] أليس الله بأحكم الحاكمين [ (التين: 8) ، فقالوا:"نسخ معناها بآية السيف، لأنه ظن أن معناها: دعهم وخلِّ عنهم، وليس الأمر كما ظن، فلا وجه للنسخ".[525]

وبهذا البيان تبين أن القول بنسخ آيات الجدال دعوى لا تقبل إلا ببرهان قاطع، لأن النسخ دعوى لرفع لوجوب العمل في بعض أمر الله، ولا يصار إلى مثل هذا إلا بدليل معتبر يكافئه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت