فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 1037

فإذا عُلم هذا فلتعلم أيها الطبيب المسلم أنك مخاطَب بوجوب التزام الأمانة مع مريضك من جهتين اثنتين؛ إحداهما تتعلق بالمهنة والأخرى تتعلق بالشرع. أما ما يتعلق بالمهنة فقد تقدمت الإشارة إلى شيء منه، بحيث لا يجوز لك أن تخون المريض الذي ائتمنك على صحته وحياته فتتلاعب به، وتهول له الأمور، وتصف له ما لا يلزمه من الفحوصات والعلاجات، والأمر أسوأ إذا كان قصدك من وصف هذه الفحوصات والعلاجات غير اللازمة التكسب المادي بغير وجه حق، وأما ما يتعلق بالشرع فمن جهة عدم هتك ما لا يجوز هتكه مما اطلعت عليه بحكم المهنة من عاهةٍ أو نقصٍ أو عيبٍ خَلقي أو خُلقي، وسواء أكان هذا الهتك بإطْلاع الغير على ما عاينت، أو بإطلاع نفسك على أكثر من الحد الجائز الذي أباحته لك الضرورة الشرعية، ولعل أوضح مثال في هذا الباب ما يتعلق بكشف العورات وهذه من المصائب التي عمَّت وطمَّت، فاعلم رحمك الله أنك إذا احتجت أن تكشف علىجزء من عورة مريضتك لضرورة الفحص والشكاية لم يكن لك عذر في كشف ما عداه، وإذا كان التأمل يكفي لم يكن لك عذر في الجس، وإذا كان في التأمل والجس كفاية لم يكن لك عذر في المس، وهكذا.. وهذا صحيح في العكس - أي اطلاع الطبيبة على عورة المريض إذا تعينت الحاجة أو الضرورة - ومن المناسب أن ننبه في هذا المقام على أمرين يتعلقان بمسألة العورات؛ أحدهما تدرج إباحة الاطلاع على العورة للحاجة أو الضرورة بالنسبة للمريضة فتبدأ بالطبيبة المسلمة، فإن عدمت فالطبيبة غير المسلمة، فإن عدمت فالطبيب المسلم، فإن عدم فالطبيب غير المسلم، ما لم يفوت هذا التدرج مصلحة طبية معتبرة تعود إلى تفاوت المهارة المهنية [672] ، وأما المسألة الثانية المتعلقة بموضوع العورات فهي مراعاة حرمة الاطلاع على العورات المغلَّظة بغض النظر عن توافق الجنسين أو اختلافهما، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" [673] والحقيقة أن عدم مراعاة هذا الأمر قد دفعت بكثير من الأطباء والمرضى بل وطلاب العلم إلى اقتحام ما لا يجوز اقتحامه من حرمات وعورات بحجة توافق جنس الطبيب مع المريض، مع أن الأمر ليس على إطلاقه، وكون الطبيب والمريض من جنس واحد - ذكورًا كانوا أم إناثًا - لا يبيح النظر إلى العورة - لا سيما المغلظة منها - بدون ضرورة أو حاجة تكون مُنزَّلة مَنزِلة الضرورة [674] ، فتأمل.

ومما يتعلق بالشرع أيضًا أمانة حفظ دين المريض من حيث عدم تفويت فروضه ومصالحه الدينية لغير عذر مشروع، فلا يجوز للطبيب أن يهمل ما يترتب على الإجراء الطبي الذي يقوم به أو الخطة العلاجية التي يضعها للمريض من آثارٍ قد تُخل بعبادات المريض، بحيث يتوجب عليه أن يراعي هذه الآثار ويقلل منها قدر المستطاع، مراعيًا الموازنة بين مصلحة المريض الدنيوية في العلاج والاستشفاء ومصلحته الأخروية في القيام بواجباته الدينية، ولعلنا نفصل في هذه النقطة في الفرع السابع مما نحن بصدده الآن.

6-العفو والتسامح مع المريض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت