فهرس الكتاب
إن شمولية الإسلام العظيمة والتوازن الدقيق بين تعبيد الناس لله تعالى قَدَرًَا ودعوتهم لعبادته شرعًا، تفرض على المسلم مراعاة حدٍ أدنى من الحقوق الإنسانية المشتركة التي تكفل الله تعالى بها قدرًا وأذن بها شرعًا بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى للخلق أجمعين، بحيث لا تجد في منهج الدعوة إلى عبادة الله تعالى إجحافًا بتلك الحقوق الإنسانية البتة، ولعل من أجمع النصوص في ذلك قوله تعالى:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" [719] وليس هذا الإكراه المذموم محصورًا في تسليط السيف على رقبة الكافر ليُسلم، بل إن معناه يتعدى إلى كل وسيلة إكراه يُفهم منها أن الكافر ما كان ليختار الإسلام لولا تَسلُّط هذه الوسيلة عليه، ثم إنه لا فرق بين كون هذه الوسيلة حرمان طعام أو شراب أو دواء أو مأوى أو غير ذلك من المشتركات الإنسانية التي تكفل الله تعالى بها لمخلوقاته بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى لهم، فلقد قال تعالى:"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" [720] ، بل إن الله تعالى قد يستجيب لدعاء الكافر بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى:"وإذا مسَّكم الضُر في البحر ضلَّ من تدعون إلا إياه فلما نجَّاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا" [721] ، فدعاء غير الله شرك وكفر، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يستجيب لهؤلاء في وقت الضراعة والمحنة إذا ما دعوه سبحانه وتعالى وهي استجابة ربوبية لا استجابة ألوهية، فإن الله تعالى خلق خلقه وهو سبحانه لا يدع خلقه لغيره بدون تدبير وكفالة بل هو الحي القيوم الرزاق، وها نحن نرى الكفار بل المحاربين لله تعالى، والله تعالى يطعمهم ويسقيهم ويمتعهم بعافية الأبدان كل يوم، وليس ذلك لرضاه عنهم شرعًا، وإنما لكمال ربوبيته عز وجل في علاه. والشاهد من هذا كله أن الإسلام لم يشرع لنا التضييق على الناس في معايشهم - التي هي مقتضى ربوبية الله عز وجل لهم- كوسيلة للدعوة إلى الله، وإن كان ذلك مسلك أهل الكفر والضلالة ودأبهم على الدوام، وهو التضييق على أهل التوحيد والإيمان لصرفهم عن عبادة الله ، ولكن الله لم يرضَ لعباده الموحدين ودعاته الهداة المهتدين بإذنه أن يسلكوا مثل هذا المسلك المنحرف البتة، وليس سلوك الكفار ودعاة التنصير لهذا المسلك المنحرف مسوغًا ولا مبررًا لسلوكنا له. ولئن كان سلوك هؤلاء واتخاذهم العلاج الطبي - وهو ضرورة وحاجة معاشية بلا ريب - مطيةً لتمرير باطلهم وتسويق إفكهم بل لفرضه على عقول البسطاء والمعدومين، فإن هذا الواقع يفرض علينا مسؤوليات محددة لمواجهة هذا التيار التنصيري المنحرف والشاذ، ولكن وفق منهج أهل الحق لا وفق الإكراه والتغرير ومساومة البدن بالروح.
ولئن سألت أيها الطبيب المسلم الغيور عن طريق مجابهة ما تقدم مما تقوم به المؤسسات التنصيرية في أرجاء العالم الإسلامي من حملات التنصير تحت ستار الطب ولبوس الخدمات الإغاثية الطبية، فلتعلم أنه يتمثل في سد الثغرات التي يستغلها هؤلاء للوصول إلى الاحتكاك والتواصل مع الفئة المستهدفة بسهام تنصيرهم المسمومة، ونحن نتكلم في مجال الطب عن واحدة من أهم هذه الثغرات، إذ لا يخفى على المتأمل مدى ما تعيشه شعوب المسلمين من فاقة وعوز في أبسط الحاجات الطبية، والتي تعمل هذه الهيئات العالمية ذات الامتداد الأخطبوطي والتمويل المهول على استغلالها من أجل تغليف إنجيلهم المحرف بضمادات الجراحة، وستر سمومهم العقدية بأنواع الأدوية والعلاجات، وإخفاء خبثهم وحقدهم وسوء نيتهم تجاه المسلمين وراء جدران مشفى خيري أو مركز رعاية صحية ، ولست هنا بصدد توثيق هذه الحقائق فإنها بارزة مكشوفة لمن فتح عينيه وسأل عن حال إخوانه المستضعفين، ولقد شاهد كاتب هذه السطر نماذج من ذلك بأم عينيه، ولكني بصدد التنبيه على عظم مسؤولية الأطباء الذين يغفلون عن سد حاجات إخوانهم الطبية، فيما هم ساهون لاهثون وراء مقامات علمية وشهادات وأبحاث هي بالنسبة لواقع حال أمتنا أقرب إلى الترف العلمي منها إلى الحاجة الطبية. نعم إن سد حاجات إخواننا هؤلاء أقرب إلى فروض الكفايات منه إلى فروض الأعيان ،ولكن علينا ألا ننسى أن الفرض الكفائي متعين على كل مستطيع حتى تنسد الحاجة، وأقولها مهما كانت الحقيقة مؤلمة إننا معاشر الأطباء المسلمين مسؤولون عن كل طفل وضع أبواه الصليب في عنقه في مقابل تحصيل دوائه، وعن كل نسخةٍ من الإنجيل المحرف اضطر مسلم لأخذها في مقابل جرعة دواء أو جراحة أو علاج، وعن كل ساقٍ بُترت نكايةً في مسلم لم يجد من يناصحه الرأي في علاج أذيتها فاضطر للأخذ برأي صليبي حاقد، وعن كل ثغرة في حاجات الأمة الصحية لم نسدها ولم نرابط عليها فإذا بها مدخلًا من مداخل أتباع إبليس للنفوذ إلى عقيدة المسلمين منها...