وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَى الْحُرِّ شَيْئًا - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم , وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ , وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْجَرُ عَلَى حُرٍّ لَا لِتَبْذِيرٍ , وَلَا لِدَيْنٍ , وَلَا لِتَفْلِيسٍ , وَلَا لِغَيْرِهِ , وَلَا يَرَى حَجْرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ لَازِمًا - وَيَرَى تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ وَإِقْرَارَهُ بَعْدَ حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ لَازِمًا [ وَيَرَى تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ وَإِقْرَارَهُ بَعْدَ حَجْرِ الْقَاضِي ] وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ , كُلُّ ذَلِكَ نَافِذٌ إلَّا أَنَّهُ زَادَ فَقَالَ: مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ بَاعَ شَيْئًا - كَثُرَ أَوْ قَلَّ - نَفَذَ بَيْعُهُ , وَإِنْ أَقَرَّ فِيهِ - كَثُرَ أَوْ قَلَّ - نَفَذَ إقْرَارُهُ , حَتَّى إذَا تَمَّتْ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ - وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ -: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَا قَبْلَهُ . وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ; لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ فَأَيُّ مَعْنًى لِلْمَنْعِ لَهُ مِنْ مَالِهِ - هَذَا تَخْلِيطٌ لَا نَظِيرَ لَهُ . ثُمَّ تَحْدِيدُهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ إحْدَى عَجَائِبِ الدُّنْيَا , وَمَا نَدْرِي بِأَيِّ وَجْهٍ يَسْتَحِلُّ فِي الدِّينِ مَنْعَ مَالٍ وَإِطْلَاقِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْآرَاءِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ؟ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ احْتِجَاجُ بَعْضِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَقْلِيدِهِ إيَّاهُ فَقَالَ: يُولَدُ لِلْمَرْءِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا وَنِصْفٍ فَيَصِيرُ أَبًا , ثُمَّ يُولَدُ لِابْنِهِ كَذَلِكَ فَيَصِيرُ جَدًّا , وَلَيْسَ بَعْدَ الْجَدِّ مَنْزِلَةٌ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ أَحْمَقُ بَارِدٌ - وَيُقَالُ لَهُ: هَبْك أَنَّهُ كَمَا تَقُولُ فَكَانَ مَاذَا ؟ وَمَتَى فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ مَنْ يَكُونُ جَدًّا وَبَيْنَ مَنْ يَكُونُ أَبًا فِي أَحْكَامِ مَالِهِمَا , وَفِي أَيِّ عَقْلٍ وُجِدَ تَمَّ هَذَا ؟ وَأَيْضًا: فَقَدْ يُولَدُ لَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا , وَلِابْنِهِ كَذَلِكَ , فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا . وَأَيْضًا: فَبَعْدَ الْجَدِّ أَبُو جَدٍّ , فَبَلَّغُوهُ هَكَذَا إلَى سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً , أَوْ إلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } فَظَهَرَ فَسَادُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى الْحَجْرِ فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ وَلَا يُحْسِنُ ضَبْطَ مَالِهِ: حُجِرَ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ عِتْقٌ , وَلَا صَدَقَةٌ , وَلَا بَيْعٌ , وَلَا هِبَةٌ , وَلَا نِكَاحٌ , وَلَا يَكُونُ وَلِيًّا لِابْنَتِهِ فِي النِّكَاحِ وَكُلُّ مَا أَخَذَهُ قَرْضًا لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ وَلَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِهِ - وَإِنْ رَشَدَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَالَ: مَا فَعَلَ قَبْلَ أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فَفِعْلُهُ نَافِذٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ إلَى أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ - وَأَجَازَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَدْفَعَ نَفَقَةَ شَهْرٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ . قَالَ: فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ الرُّشْدُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ نَافِذَ الْأَمْرِ حَتَّى يَفُكَّ الْقَاضِي عَنْهُ الْحَجْرَ , وَأَجَازَ لِمَنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ إعْطَاءَ كُلِّ مَا يَمْلِكُ فِي ضَرْبَةٍ وَفِي مَرَّاتٍ وَأَنْفَذَهُ عَلَيْهِ - وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ وَتَنَاقُضٌ شَدِيدٌ فِي وُجُوهٍ جَمَّةٍ -: أَحَدُهَا وَأَعْظَمُهَا - إبْطَالُهُ أَعْمَالَ الْبِرِّ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهَا وَجَعَلَهَا مُنْقِذَاتٍ مِنْ النِّيرَانِ: كَالْعِتْقِ , وَالصَّدَقَةِ , وَإِبْطَالُهُ الْبَيْعَ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى , وَتَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ , لَا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بِغَيْرِ بُرْهَانٍ , لَا مِنْ قُرْآنٍ , وَلَا سُنَّةٍ . وَثَانِيهَا - إبْطَالُهُ الْوَلَايَةَ لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلِيًّا لَهَا فِي الْإِنْكَاحِ - فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِ الصَّغِيرِ , وَالْمَجْنُونِ , اللَّذَيْنِ هُمَا غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ , وَلَا مُكَلَّفَيْنِ إنْقَاذَ أَنْفُسِهِمَا مِنْ النَّارِ , وَلَا وَلَايَةَ لَهُمَا , فَلْيُسْقِطُوا عَنْهُ الصَّلَاةَ , وَالصَّوْمَ , وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مُكَلَّفًا مُخَاطَبًا مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مَنْدُوبًا مَوْعُودًا مُتَوَعَّدًا: فَمَا بَالُهُمْ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَدَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ , وَجَعَلَهُ فِي يَدَيْهِ مِنْ الْوَلَايَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا