فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 1037

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ قَالُوا فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ لَا تَفَرُّقَ فِيهِ وَهِبَةٌ لِمَا ابْتَاعَ عليه السلام قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِلَا شَكٍّ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَفَرُّقٌ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَعْدَ الْعَقْدِ , وَلَيْسَ السُّكُوتُ عَنْهُ بِمَانِعٍ مِنْ كَوْنِهِ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ تَقْتَضِيه وَلَا بُدَّ - وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ ثَمَنٌ أَيْضًا , فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا الْبَيْعَ بِغَيْرِ ذِكْرِ ثَمَنٍ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ثَمَنٌ . فَإِنْ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ الثَّمَنِ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ ؟ قُلْنَا: وَلَا بُدَّ مِنْ التَّفَرُّقِ أَوْ التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَكُونُ بَيْعًا , وَلَا يَصِحُّ أَصْلًا إلَّا بِأَحَدِهِمَا , وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ فِي إسْقَاطِ حُكْمِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مِنْ التَّخْيِيرِ بَعْدَ الْعَقْدِ , وَبَيْنَ مَنْ احْتَجَّ بِهِ فِي الْبَيْعِ بِالْمُحَرَّمَاتِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ثَمَنٌ أَصْلًا , وَهَذِهِ هِبَةٌ لِمَا اُبْتِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ رَأْي الْحَنَفِيِّينَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ , وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْإِشْهَادِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْبَيْعِ تَخْيِيرٌ وَلَا إشْهَادٌ أَصْلًا وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَبَدًا - فَمَنْ لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ } ؟ وَبَعْدَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ , وَمَنْ ادَّعَى عِلْمَ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَّابٌ أَفِكٌ يَتَبَوَّأُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ لِكَذِبِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ قَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْبَيْعَ حِينَئِذٍ كَانَ يَتِمُّ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا وَلَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ , وَإِنَّ الْإِشْهَادَ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا وَإِنَّمَا وَجَبَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا حِينَ الْأَمْرِ بِهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ , وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقْطَعُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُخَالِفُ أَمْرَ رَبِّهِ تَعَالَى , وَلَا يَفْعَلُ مَا نَهَى عَنْهُ أُمَّتَهُ , هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَنَا , وَمَنْ شَكَّ فِي هَذَا أَوْ أَجَازَ كَوْنَهُ فَهُوَ كَافِرٌ , نَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ . وَكَذَلِكَ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ عليه السلام لَوْ نَسَخَ مَا أَمَرَنَا بِهِ لَبَيَّنَهُ حَتَّى لَا يَشُكَّ عَالِمٌ بِسُنَّتِهِ فِي أَنَّهُ قَدْ نَسَخَ مَا نَسَخَ وَأَثْبَتَ مَا أَثْبَتَ . وَلَوْ جَازَ غَيْرُ هَذَا - وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ - لَكَانَ دِينُ الْإِسْلَامِ فَاسِدًا لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا يَحِلُّ لَهُ مِمَّا أَوْجَبَ رَبُّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا , إنَّ هَذَا لَهُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ الَّذِي يُكَذِّبُهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ: { تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } وَ { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } . وَقَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ , وَالدِّينُ كُلُّهُ رُشْدٌ وَخِلَافُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ غَيٌّ , فَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ كُلَّ ذَلِكَ لَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى كَذِبًا , وَالرَّسُولُ عليه السلام لَمْ يُبَيِّنْ , وَلَمْ يُبَلِّغْ وَالدِّينُ ذَاهِبًا فَاسِدًا - وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ الْمَحْضُ مِمَّنْ أَجَازَ كَوْنَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثِ - أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّاوِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى وَابْنُ عُمَرَ هُوَ رَاوِي هَذَا الْخَبَرِ , وَهُوَ الَّذِي كَانَ لَا يَرَى الْبَيْعَ يَتِمُّ إلَّا بِالتَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ , فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِمْ أَعْلَمُ بِمَا رُوِيَ . وَسَقَطَ عَلَى أَصْلِهِمْ هَذَا تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } , وَمِنْ الْغَرَرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا خِيَارٌ لَا يَدْرِيَانِ مَتَى يَنْقَطِعُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ -: أَحَدُهَا - أَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ , أَوْ التَّخْيِيرِ: لَيْسَ بَيْعًا أَصْلًا لَا بَيْعَ غَرَرٍ وَلَا بَيْعَ سَلَامَةٍ , كَمَا قَالَ عليه السلام: { إنَّهُ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا مَا كَانَا مَعًا } فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا: مِنْ أَنَّ لَهُمَا خِيَارًا لَا يَدْرِيَانِ مَتَى يَنْقَطِعُ , بَلْ أَيُّهُمَا شَاءَ قَطْعَهُ قَطَعَهُ فِي الْوَقْتِ , بِأَنْ يُخَيِّرَ صَاحِبَهُ فَإِمَّا يُمْضِيَهُ فَيَتِمُّ الْبَيْعُ وَيَنْقَطِعُ====

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت