فالثورة في الإسلام تختلف اختلافًا جذريًا عنها في المفهوم الغربي والشرقي على السواء. فليست في إحلال الرأسمالية محل الإقطاعية، ولا في إحلال الطبقة العاملة محل البورجوازية. أي ليس المقصود منها تغيير أسماء المستغل، وإنما محوه من جذوره، ومن نفس الإنسان بالذات (فالنفس أمارة بالسوء) ، إن كفاح الأنبياء ضد الظلم والاستغلال، لم يأخذ شكل صراع الطبقات، وإنما اتخذ طابعًا إنسانيًا هدفه تحرير كل إنسان من أية طبقة كان، فليس كل إقطاعي ظالمًا، وليس كل غني مستغلًا، ولا كل عامل ملاكًا، ولا كل فلاح نبيلًا.
وإن بإمكان الإسلام أن يحول الجميع إلى خيرين، صالحين، ونبلاء... وبالفعل، فقد أيقظ الإسلام من النفوس، حتى الشريره، مكامنها الخيرة، والحسنة، وفجر فيها الطاقات الإبداعية، ووجهها لخير المجتمع وسعادته.
ـ إن الثوري الذي يتابع خط الأنبياء، ليس بذلك المستغل الذي يحسب أنه يستمد قيمته من امتلاك وسائل الإنتاج أو تكديس الأموال على حساب الشعوب، إنه يستمد قيمته من الجهود التي يبذلها بالتقرب من الله، ليس فقط عن طريق الصوم والصلاة، وإنما لنجاحه بمسؤولياته كخليفة الله في الأرض، أي في جهده وابتكاره ونفعه لعباد الله:"أحبهم إلى الله أنفعهم لعباده".
للهيكل العام للاقتصاد الإسلامي ثلاثة أسس رئيسية تميزه عن المذهبين السابقين التاليين:
1 ـ الملكية متنوعة ومحدودة:
يتميز الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي باختلافه عن المذهبين السابقين، بإقراره للأشكال المختلفة للملكية بآن واحد، بدلًا من مبدأ الملكية الخاصة كقاعدة للنظام الرأسمالي، وملكية الدولة للنظام الماركسي.
فهو يقر الملكية العامة، والخاصة، وملكية الدولة.
وينطلق من قاعدة:"الملك على الأرض لله، والإنسان مستخلف فيه لمصلحة كافة عباد الله"، ويستوحي نوع الملكية من الطبيعة ذاتها للثروة الطبيعية وودرجة شموليتها لعناصر الحياة لجميع خلق الله.
فالملكية العامة: كمنابع المياه، والمراعي، والأحراش، ومصادر الطاقة...الخ..! عمومًا هي كالشمس والهواء والماء، ملك لجميع مخلوقات الله. فهي ملكية مشتركة لا يجوز الاختصاص بها.
والأرض العامرة، هي ملك الخليفة ، باعتبار المنصب لا الشخص، وكذلك الأرض الميتة، أي أنها ذات طابع عام (ملك دولة) ، ولا يجوز تملكها إلا بحدود العمل فيها. والعمل في الأرض يعطي العامل حق الانتفاع بالأرض فقط مادام عمله مستمرًا فيها، فإذا ما توقف عن استغلالها انتزعت منه وأعطيت لغيره. فالإسلام إذًا سمح بالملكية الخاصة إلا أنه أحاطها بحدود، أي قلص منها وضغطها لتتحول إلى أداة لتحقيق الهدف وهو خلافة الله في تحمل المسؤوليات لإشباع حاجات الإنسانية المتنوعة، وليس غاية بذاتها، تطلب بوصفها تجميعًا وتكديسًا شرهًا لا يرتوي ولا يشبع. قال رسول الله (ص) : ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأبقيت (أبقيت أي معوض عليك) ، وما سوى ذلك، فأنت ذاهب وتاركه للناس.
2 -الحرية الاقتصادية في نطاق محدود:
وكذلك، فالحرية في النظام الإسلامي محدودة أيضًا، فليست منطلقه من عقالها، كالنظام الرأسمالي، وليست مسروقة كالنظام الماركسي، والتحديد الإسلامي إما أن ينبع من أعماق النفس، ويستوحي من المحتوى الروحي والفكري للإسلام ويسمى التحديد الذاتي، أو يأتي من قوة خارجيه تحدد السلوك الاجتماعي والاقتصادي وتضبطه حسب أحكام الشريعة ويسمى التحديد الموضوعي. وقد ثبت أن التحديد الذاتي أشد مضاءً من التحديد الخارجي، وقد كانت له نتائج رائعة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي، ويكفي من نتائجه أنه ظل وحده الضامن لأعمال البر والخير في المجتمع الإسلامي، بالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح التجربة مدة قرون عديدة، فما زال عدد كبير من المسلمين يقدمون بملء حريتهم علىدفع الزكاة، والتضامن مع أخواتهم المحتاجين، سرًا وجهرًا حتى الآن.
لقد ثبت أن مصادرة الملكية الخاصة مخالف لفطرة الإنسان. فحيازة الأشياء من مظاهر غريزة البقاء في الإنسان،ومن طبيعة الإنسان السعي في الأرض لجمع الثروة له ولأولاده، فإذا ما انتفى هذا الهدف فقد الحافز على العمل.
كما ثبت أن إطلاق الحرية من عقالها، أدى إلى انحصارها في طبقة ضئيلة أزاحت من طريقها الطبقات الأخرى، واستأثرت وحدها بالثروات على اختلاف أنواعها، إنه مخالف أيضًا لطبيعة الإنسان، ومانع له من السعي في الأرض، وتحطيم له ولميزاته في الإبداع. فكأن الأمريكي وحده خليفة الله في الأرض، وحده المكلف بالإبداع، وحده المكلف بالإعمار، ولوحده الحق بثروات الله، وله مطلق الحرية أن يبيد ما سواه من عباد الله.
وهكذا، فالحدود التي فرضها الإسلام، والمحرمات التي منعها والمباحات التي أباحها، تنبع -في الوقت نفسه- من مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
بعض المبيحات والمحرمات في الإسلام:
لقد حضّ الإسلام على تنمية الإنتاج، كالنظام الرأسمالي، إلا أنه ربطها بالتوزيع، فتنمية الثروة في الإسلام ليست غاية بذاتها، وإنما لما تحققه لأفراد الأمة من يسر ورخاء، وما توفره لهم من الشروط التي تمكنهم من الانطلاق لتحقيق مواهبهم الخيرة والإبداعية وتحقيق رسالتهم كخليفة لله في الأرض، فإن لم يفعلوا لانتزعها الله منهم (إن يشأ يذهبكم، ويستخلف من بعدكم ما يشاء) .
فالتنمية إذًا، ليست للأجنبي ورؤوس أمواله ومضاربيه ومرابيه على كافة المستويات.
ولذا، فقد حرم الإسلام الربا، بوصفه أولى العقبات أمام التنمية والازدهار الاقتصادي، لكونه يحجز المال عن الإنتاج، وأنجع الوسائل لسرقة أموال الناس وتكديس الأموال دون جهد وعناء.