فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 1037

لنرجع ونتدبر كتاب ربنا ونتأمل كيف ينشأ الإنسان ، وما هي الأطوار التي يمر بها في بطن أمه فيخرج سوي الأعضاء كاملها ، يقول تعالى: ) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( [ المؤمنون: 12-14 ] . ونحن لا نملك إلا أن نقول: سبحان الخالق المبدع المصور الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى . يقول سيد قطب: لقد نشأ الجنس الإنساني من سلالة من طين ، فأما تكرار أفراده بعد ذلك وتكاثرهم فقد جرت سنة الله أن يكون عن طريق نقطة مائية تخرج من صلب رجل فتستقر في رحم امرأة ، لا بل خلية واحدة من عشرات الألوف من الخلايا الكامنة من تلك النقطة ، تستقر في قرار مكين ثابتة في الرحم الغائرة بين عظام الحوض المحمية من التأثر باهتزازات الجسم ... ، ومن النطفة إلى العلقة حينما تمتزج خلية الذكر ببويضة الأنثى وتعلق هذه بجدار الرحم نقطة صغيرة في أول الأمر تتغذى بدم الأم ، ومن العلقة إلى المضغة حينما تكبر تلك النقطة العالقة وتتحول إلى دم غليظ مختلط ، وتمضي هذه الخليقة في ذلك الخط الذي لا ينحرف ولا يتحول ولا تتوانى حركته المنظمة الرتيبة ... ، حتى تجيء مرحلة العظام ... ، فمرحلة كسوة العظام باللحم ... ، ثم يتحول إلى تلك الخليقة المتميزة المستعدة للارتقاء .(1)

لقد مر خلق الإنسان بمراحل متعددة ، فهو أصلا من طين ، وبالتقاء الذكر والأنثى تكون النطفة ، ومن النطفة تخلق العلقة فالمضغة فالعظام ، ثم تكسى العظام باللحم ويتكون الجنين ، كل ذلك يتم بتقدير العليم الحكيم ، وهذه الحقائق أخبر بها القرآن منذ خمسة عشر قرنا وكفانا مؤونة البحث عنها والتفكير فيها ، ومما يزيد الفرد المؤمن يقينا وثباتا واعتزازا بدينه أن العلم لم يكتشف هذه الحقائق إلا في العصر الحاضر .

يقول الدكتور بوكاي: وكل هذه الآيات تتفق وحقائق اليوم الثابتة . ولكن كيف تسنى للرجال الذين عاشوا في عهد محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون لديهم هذه التفاصيل الكثيرة والدقيقة في علم الأجنة ؟! إن هذه الحقائق لم تكتشف إلا بعد مرور ألف عام تقريبا على نزول القرآن ، ويقودنا تاريخ العلوم إلى أن نجزم بعدم وجود أي تعليل أو تبرير بشري لوجود هذه الآيات في القرآن . (2)

ثانيا: الغاية

لم يخلق الله عز وجل الإنسان عبثا ولم يتركه هملا ، فبعد أن سواه ونفخ فيه من روحه أسجد له ملائكته المقربين ، ثم أهبطه إلى الأرض مع الجان ليكون الابتلاء والامتحان ، واستخلف في الأرض ليعمرها بطاعته . يقول الدوسري رحمه الله: والخليفة لله في أرضه هو المكلف بأحكام يطبقها على نفسه وينفذها على غيره . (1)

وقد أخذ ربنا العهد على الإنسان أن يعبده ولا يشرك به شيئا ، قال تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } [ الأعراف: 172 ] أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة . (2)

ويقول الرفاعي: وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم . (3)

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به . قال: فيقول: نعم . فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي . [ أحمد: 3/127 ]

وفي مسند أحمد أيضا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا ، قال: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون [ 1/272 ]

ولما كان الأمر كذلك فإن الخلق كلهم مكلفون بالاتباع ، وكل فرد بذاته قد أودع في فطرته الإسلام وإفراد العبادة لله رب العالمين ، ولهذا خلق آدم عليه السلام وذريته لكي يكون كل منهم عابدا لله متبعا لأوامره مجتنبا لنواهيه . وقد استمر آدم وذريته على ذلك عشرة قرون كلهم على شريعة الحق حتى عهد نوح عليه السلام (1)

فلما اختلفوا وحادوا عن الصراط بعث الله الرسل والأنبياء يوجهون الناس ويرشدونهم لكي يردوهم إلى جادة الصواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت