فهرس الكتاب
والصحيح أن الإيمان عمل. إذن فالبر هو عمل المؤمن. فيصير معنى الآية ولكن البر هو أن يعمل الإنسان كذا وكذا ، فالإيمان بالله من الأعمال الإيمانية وتتضمن أعمالا للقلب تبعث على عمل الجوارح كالخشية والخضوع والتوكل والخوف والرجاء. وهذه كلها تبعث على العمل الصالح.
18-ومن ذلك ما جاء في سورة آل عمران 3: 59 (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) . وضع الفعل المضارع بدل الماضي وكان يجب أن يعتبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي لا المضارع فيقول قال له كن فكان .
الجواب: قال (فيكون) للإشارة إلى أن قدرة الله على إيجاد شيء ممكن وإعدامه لم تنقض، بل هي مستمرة في الحال والاستقبال في كل زمان ومكان ، فالذي خلق آدم من تراب فقال له (كن) فكان ، قادر على خلق غيره في الحال والاستقبال (فيكون) بقوله تعالى (كن) .
وقد نقل المنصرون هذا من كتب التفسير: أي إن المعنى: فكان، فظنوا لجهلهم بفن التفسير أن قول المفسرين بذلك لتصحيح خطأ وقع في القرآن، وأن الصواب: فكان ، بصيغة الماضي . قال القرطبي:"فكان . والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى"
وهل نقول: إذا أمرتك بشيء فعلت؟ أم أن الأصح أن تقول: إذا أمرتك بشيء تفعله؟ وتقدير السياق في الآية فإذا أراد الله شيئا فيكون ما أراد.لأن الفعل المضارع يدل على الاستمرارية
19-ومن ذلك ما جاء في سورة يوسف 12: 15 (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) . فأين جواب لمّا؟ ولو حذف الواو التي قبل أوحينا لاستقام المعنى..
الجواب: جواب لمّا هنا محذوف تقديره فجعلوه فيها أو نفَّذوا مؤامرتهم وأرسله معهم.
وهذا من الأساليب البلاغية العالية للقرآن أنه لا يذكر لك تفاصيل مفهومة بديهية في السياق.
20-ومن ذلك ما جاء في سورة الفتح قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } (الفتح:8) ، وبعد هذه الآية نقرأ قوله تعالى: { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } (الفتح:9) ، وقد استشكل بعض الناس مرجع الضمائر الثلاثة في الأفعال: { وتعزروه وتوقروه وتسبحوه } هل هي عائدة إلى الله، أم إلى الرسول، أم ماذا ؟
ووجه الإشكال في الآية كما يتوهمه البعض، أن الضمائر الثلاثة إذا عادت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يؤدي إلى اضطراب في معنى الآية، ولا يكون المعنى مستقيمًا ولا سليمًا؛ لأن معنى الآية على هذا: أمر المسلمين بالتسبيح للرسول صلى الله عليه وسلم !!
أما إذا عادت الضمائر الثلاثة إلى الله تعالى، فإن المعنى أيضًا يكون مضطربًا؛ لأن الله ليس بحاجة إلى من يعزره ويقويه وينصره، ولأنه هو القوي العزيز .
وكلام المفسرين حول هذه الآية الكريمة، يكشف لنا أن الآية مستقيمة في تركيبها، وصحيحة في معناها؛
-وذلك أن الضمائر في قوله تعالى: { وتعزروه وتوقروه } تعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فيكون معنى قوله سبحانه: { وتعزروه } أي: تعظموه وتكبروه، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ وقال قتادة معناه: تنصروه بالجهاد معه، والدعوة إلى شريعته؛ ويكون معنى { وتوقروه } من التوقير: وهو الاحترام والإجلال والإعظام. والآية على هذا تأمر المسلمين باحترام الرسول وتعظيمه باتباع ما أمر به، والنهي عما نهى عنه .
أما الضمير في قوله تعالى: { وتسبحوه } فيعود إلى الله تعالى، أي: تسبحون الله بكرة وأصيلًا، يعني: أول النهار وآخره .
ومن الجائز في لغة القرآن أن يكون بعض الكلام راجعًا إلى الله تعالى، وبعضه راجعًا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أمثلة، قال تعالى: { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } (النور:52) ، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده .
وعلى هذا التوجيه للآية، استحسن بعض القراء الوقف في الآية على قوله سبحانه: { وتعزروه وتوقروه } ثم يكون الابتداء من قوله تعالى: { وتسبحوه بكرة وأصيلا } ؛ وقد نقل ابن الجزري هذا الاستحسان، ثم قال: لئلا يوهم اشتراك عود الضمائر على شيء واحد، فإن الضميرين الأول والثاني، عائدان على النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير الثالث عائد على الله عز وجل .
وهذا التوجيه للآية الكريمة هو الذي ذهب إليه جمهور المفسرين، كالطبري ، و القرطبي ، وابن كثير وغيرهم .
-ولكن فريقًا آخر من المفسرين، رأى أن الضمائر الثلاثة في الآية ترجع إلى الله سبحانه، ويكون المراد بتعزير الله تعالى على هذا الرأي: تعظيم دينه بالعمل به، واحترام رسوله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهديه، والتزام سنته؛ وكل هذا يدخل في قوله تعالى: { وتعزروه وتوقروه } ويمكن حمل الآية عليه. وإلى هذا التوجيه للآية ذهب الزمخشري و الألوسي من المفسرين .
-فالآية على كلا التوجهين صحيحة مستقيمة لا إشكال فيها، سواء أعدنا الضمائر كلها إلى الله، أم أعدنا الضمير الأول والثاني على الرسول، والثالث على الله .
(( نقلا عن موقع الشبكة الإسلامية ) )
21-ومن ذلك ما وجاء في سورة الإنسان 76: 4 (إِنَّا أَعْتَدْنَال للْكَافِرِينَ سَلاَسِلًا وَأَغْلاَلًا وَسَعِيرًا) . فلماذا قال سلاسلًا بالتنوين مع أنها لا تُنوَّن لامتناعها من الصرف؟
الجواب:
قرأت سلاسلَ بالتنوين على لغة من لغات العرب التى تصرِّف كل الأسماء الممنوعة من الصرف في النثر. أو أن تكون الألف المنونة في سلاسلًا بدلًا من حرف الإطلاق.
(الكشاف للزمخشرى ج 4 ص 167)