فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 436

حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ثار عبد الله بن الزبير، فدعا ابن عباس إلى بيعته، فامتنع ابن عباس، وظن يزيد بن معاوية أن امتناع ابن عباس تمسكًا منه ببيعته، فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته، والدخول في طاعته، لتكون له على الباطل ظهيرًا، وفي المآثم شريكًا، وإنك اعتصمت ببيعتنا وفاءً منك لنا وطاعةً لله عز وجل لما عرفك من حقنا فجزاك الله عن ذي رحم خير ما يجزي الواصلين أرحامهم الموفين بعهودهم فما أنس من الأشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من القرابة من الرسول فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله فأعلمهم رأيك فإنهم منك أسمع ولك أطوع منهم للمخل المجرم المارق. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى بيعته والدخول في طاعته فإن يك ذلك كذلك فإني والله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك، ولكن الله عز وجل بالذي أنوي به عليم، وزعمت أنك غير ناس بري وتعجيل صلتي، فاحبس أيها الانسان برك وتعجيل صلتك فإني حابس عنك ودي فلعمري ما تؤتينا مما لنا قبلك من حقنا إلا اليسير، وإنك لتحبس منه العريض الطويل، وسألت أن أحث الناس عليك وأن أخذلهم عن ابن الزبير فلا ولا سرورًا ولا حبًا، إنك تسألني نصرتك وتحثني على ودك وقد قتلت حسينًا رضي الله عنه وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الاعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مزملين بالدماء مسلوبين بالعراء، لا مكفيين ولا موسدين، تسفوا عليهم الرياح وتنتابهم عرج الضباع، حتى أتاحا لله عز وجل لهم بقوم لم يشركوا في دمائهم، كفنوهم وأجنوهم، وبي وبهم والله غررت وجلست مجلسك الذي جلست فما أنسى من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينًا رضي الله عنه من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرم الله عز وجل وتسييرك إليه الرجال لتقتله في الحرم فما زلت بذلك وعلى ذلك حتى أشخصته من مكة إلى العراق، فخرج خالفًا يترقب، فتزلزلت به خيلك عداوة منك لله عز وجل ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا أولئك لا كآبائك الجلاف الحافة أكباد الحمير، فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته فتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولداي وسيفك يقطر من دمي وأنت آخذ ثأري، فإن شاء الله لا يطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري، وإن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيون، وإن النبيين فيطلب الله عز وجل بدمائهم، فكفى بالله عز وجل للمظلومين ناصرًا ومن الظالمين منتقمًا فلا يعجبنك إن ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يومًا، وذكرت وفائي وما عرفتني من حقك فإن يك ذلك كذلك فقد والله بايعتك ومن قبلك، وإنك لتعلم أبي وولد أبي أحق بهذا الأمر منكم، ولكنكم معشر قريش كاثرتمونا حتى دفعتمونا عن حقنا، ووليتم الأمر دوننا، فبعدًا لمن تجرأ ظلمًا واستغوى السفهاء علينا كما بعدت ثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، ألا وإن من أعجب الأعجايب - وما عسى أن أعجب - حملك بنات عبد المطلب وأطفالًا صغارًا من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين تري الناس أنك قد قهرتنا، وأنك تمن علينا، وبنا من الله عز وجل عليك، ولعمر الله لئن كنت تصبح آمنًا من جراحة يدي إني لأرجوا أن يعظم الله عز وجل جرحك من لساني ونقضي وإبرامي. والله ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذك أخذًا أليمًا، ويخرجك من الدنيا مذمومًا مدحورًا. فعش لا أبا لك ما استطعت فقد والله ازددت عند الله أضعافًا واقترفت مأثمًا والسلام على من اتبع الهدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت