قال جويرية: ولا أدري من حدث إسماعيل أو غيره قال: قال لمزاحم: أبغني رجلًا لمصحفي. قال: فأتاه برجل فأعجبه. قال: من أين أصبت ؟ قال: يا أمير المؤمنين دخلت بعض الخزائن فأصبت هذه الخشبة فأتخذت منها رجلًا. قال: ويحك انطلق فأقمه في السوق. قال: وجاء به قومه في السوق فقومه نصف دينار فرجع فقال: يا أمير المؤمنين قوموه نصف دينار. قال: ترى أن تضع في بيت المال دينارًا أتسلم منه. قال مزاحم: إنما قوموا نصف دينار. قال: ضع في بيت المال دينارين.
وعن جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم - فيما أعلم - قال: قال عمر بن عبد العزيز لأذنه: لا يدخلن علي اليوم إلا مرواني. قال: فلما اجتمعوا عنده تكلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإنكم يا بني مروان قد أعطيتم في الدنيا حظًا وشرفًا وأموالًا إني لأحسب شطر مال هذه الأمة أو ثلثيه في أيديكم، فردوا ما في أيديكم من هذا المال. قال: فسكتوا. قال: ألا تجيبوني ؟ فسكتوا. قال: ألا تجيبوني ؟ فتكلم رجل من القوم قال: لا والله لا يكونن ذلك أبدًا حتى يحال بين رؤوسنا وأجسادنا، والله لا نكفر آباءنا ونفقر أبناءنا. قال عمر: أما لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت خدودكم قوموا عني.
حدثني أبو بشر حدثنا سعيد عن جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز حتى تفرق الناس ودخل أهله للقائلة. قال: فإذا مناد ينادي الصلاة جامعة. قال: ففزعنا فزعًا شديدًا مخافة أن يكون قد جاء فتق من وجه من الوجوه أو حدث حدث. قال جويرية: وإنما كان دعا مزاحمًا فقال: يا مزاحم إن هؤلاء القوم قد أعطونا عطايا والله ما كان لنا أن نقبلها، وإن ذاك قد صار إلي فليس علي فيه دون الله محاسب. فقال له مزاحم: يا أمير المؤمنين هل تدري كم ولدك ؟ هم كذا وكذا. فذرفت عيناه فجعل يستدمع ويقول: أكلهم إلى الله. ثم انطلق مزاحم من وجهه ذلك حتى استأذن على عبد الملك. فأذن له وقد اضطجع للقائلة. فقال له عبد الملك ما جاء بك يا مزاحم هذه الساعة هل حدث من حدث ؟ قال: نعم أشد الحدث عليك وعلى أبيك. قال: وما ذاك ؟ قال: دعاني أمير المؤمنين فذكر له ما نال عمر. فقال عبد الملك: فما قلت له ؟ قال: قلت له يا أمير المؤمنين تدري كم ولدك ؟ هم كذا وكذا. قال: فما قال لك: قال: جعل يستدمع ويقول: أكلهم إلى الله أكلهم إلى الله. قال عبد الملك: بئس وزير الدين أنت يا مزاحم. ثم وثب فانطلق إلى باب عمر، فاستأذن عليه، فقال الآذن: إن أمير المؤمنين قد وضع رأسه للقائلة. قال: استأذن لي. قال الآذن: أما ترحمونه ليس له من الليل والنهار إلا هذه الوقعة. قال عبد الملك: استأذن لي لا أم لك. فسمع عمر الكلام فقال: من هذا ؟ قال: هذا عبد الملك. قال: ائذن له. فدخل عليه وقد اضطجع عمر للقائلة. فقال: ما حاجتك تأتي هذه الساعة ؟ قال: حديث حدثنيه مزاحم. قال: فأين وقع رأيك من ذلك ؟ قال: وقع رأيي على أنفاذه. قال: فرفع عمر يده وقال: الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني. نعم يا بني أصلي الظهر ثم أصعد المنبر فأدرها علانية على رؤوس الناس. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين من لك بالظهر يا أمير المؤمنين ومن لك إن بقيت إلى الظهر أن تسلم لك نيتك إلى الظهر ؟ قال: فقال عمر: قد تفرق الناس ورجعوا للقائله. فقال عبد الملك: تأمر مناديك فينادي الصلاة جامعة فتجمع الناس. قال إسماعيل: فخرجت فأتيت المسجد، وجاء عمر فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا، والله ما كان لهم أن يعطوناها، وما كان لنا أن نقبلها، وأرى الذي قد صار إلي ليس علي فيه دون الله محاسب، ألا وأني قد رددتها وبدأت بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم. قال: وقد جيء بسفط قبل ذلك - أو قال جونة - فيها تلك الكتب قال: وقرأ مزاحم كتابًا منها فلما فرغ من قراءته ناوله عمر وهو قاعد على المنبر وفي يده جام، قال: فجعل يقصه بالجام واستأنف مزاحم كتابًا آخر فجعل يقرأه، فلما فرغ منه دفعه إلى عمر فقصه، ثم استأنف كتابًا آخر فما زال كذلك حتى نودي بصلاة الظهر.