حدثني سعيد بن كثير بن عفير المصري قال: حدثني ابن لهيعة أن يزيد بن أبي حبيب حدثه: أن أباه أبا الخير حدثه: إن عبد العزيز بن مروان قال لكريب بن أبرهة: أحضرت عمر بن الخطاب بالجابية ؟ قال: لا. قال: فمن يحدثنا عنها ؟ قال كريب: إن بعثت إلى سفيان بن وهب الخولاني حدثك عنها. فأرسل إليه فقال: حدثني عن خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية ؟ قال سفيان: إنه لما اجتمع الفيء أرسل أمراء الأجناد إلى عمر بن الخطاب أن يقدم بنفسه، فقدم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن هذا المال نقسمه على من أفاء الله عليه بالعدل إلا هذين الحيين من لخم وجذام فلا حق لهم فيه. فقام إليه أبو حديدة الأجذمي فقال: ننشدك الله يا عمر في العدل. فقال عمر: العدل أريد، أنا أجعل أقوامًا أنفقوا في الظهر وشدوا العرض وساحوا في البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم ؟ ولو أن الهجرة كانت بصنعاء أو بعدن ما هاجر إليها من لخم ولا جذام أحد. فقام أبو حديدة فقال: إن الله وضعنا في بلاده حيث شاء وساق إلينا الهجرة في بلادنا فقبلناها ونصرناها، أفذلك يقطع حقنا يا عمر ؟ فقال: لكم حقكم مع المسلمين. ثم قسم فكان للرجل نصف دينار فإذا كانت معه امرأته أعطاه دينارًا، ثم دعا ابن قاطورا صاحب الأرض فقال: أخبرني ما يكفي الرجل من القوت في الشهر وفي اليوم ؟ فأتي بالمدي والقسط فقال: يكفيه هذا المديان في الشهر وقسط زيت وقسط خل. فأمر عمر بمدين من قمح فطحنا ثم عجنا ثم خبزا ثم أدمهما بقسطين زيت ثم أحلس عليهما ثلاثين رجلًا فكان كفاف شبعهم، ثم أخذ عمر المدين بيمينه والقسط بيساره ثم قال: اللهم لا أحل لأحد أن ينقصها بعدي، اللهم فمن نقصا فأنقص من عمره فغضب عبد العزيز وقال إنك شيخ قد خرفت. قال سفيان: قد اعتذر الله إلي في العمر، ثم قال عمر ابن الخطاب: هل من شراب ؟ فقال: عندنا العسل وعندنا شراب نشربه من العنب، فدعا به عمر فأتي به وهو مثل الطلاء - طلاء الابل - فأدخل عمر فيه اصبعه ثم قال: ما أرى بهذا بأسًا.
حدثنا عبد الله بن عثمان حدثنا عبد الله بن المبارك اخبرنا عبيد الله بن موهب قال: سمعت أبا هريرة يقول: قدمت على عمر بن الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمان مائة ألف درهم فقال لي: بماذا قدمت ؟ قلت: قدمت بثمان مائة ألف درهم. قال: ألم أقل أنك تهامي أحمق، إنما قدمت بثمانين ألف درهم فكم ثمان مائة ألف درهم ! فعددت مائة ألف حتى عددت ثمان مائة. فقال: أطيب ويلك ؟ قال: نعم. قال: فبات عمر ليلته أرقًا، حتى إذا نوي بصلاة الصب قالت له امرأته: يا أمير المؤمنين ما نمت الليلة ؟ قال: كيف ينام عمر بن الخطاب وقد جاء الناس ما لم يكن يأتيهم مثله منذ كان الاسلام، فما يؤمن عمر لو هلك وذلك المال عنده فلم يضعه في حقه. فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يأتهم مثله منذ كان الاسلام، وقد رأيت رأيًا فأشيروا علي، رأيت أن أكيل للناس بالمكيال. فقالوا: لا تفعل يا أمير المؤمنين إن الناس يدخلون في الاسلام ويكثر المال ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الناس وكثر المال أعطيتهم عليه. قال فأشيروا علي بمن أبدأ منهم ؟ قالوا: بك يا أمير المؤمنين إنك ولي ذلك. ومنهم من قال: أمير المؤمنين أعلم. قال: لا. ولكني أبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب إليه فوضع الديوان على ذلك. قال عبيد الله: بدأ بهاشم والمطلب فأعطاهم جميعًا ثم أعطى بني عبد شمس ثم بني نوفل بن عبد مناف، وإنما بدأ ببني عبد شمس لأنه كان أخا هاشم لأمه. قال عبيد الله: فأول من فرق بين بني هاشم والمطلب في الدعوة عبد الملك؛ قدم عليه عبد الله بن قيس بن مخرمة أخو بني المطلب فقال له عبد الملك: أقد رضيت يا أبا عبد الله أن تدعى بغير أبيك فتجيب ؟ قال: ومن يدعوني بغير أبي ؟ قال: أليس يدعى بنو هاشم ولا يدعى بنو المطلب فتجيب. فقال: أمر صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف لي بذلك ؟ قال: تسألني أن أفرقكم على عريف فأفعل.
فلما أذن للناس قام عبد الله بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين إنا أصبحنا ليس لنا عريف إنما يدعى بنو هاشم فنجيب، فاجعل لنا عريفًا ؟ فكتب له أن يفرقوا على عريف ويكون ذلك إلى عبد الله بن قيس يليها ويوليها من أحب.