فهرس الكتاب
3 ـ المَوطنُ الثالث: للشفتين = مخرجٌ خاصٌّ لبعض الحروف:
لقَّب الخليلُ الفاء والباء والميم من الحروف الصَّحيحةِ بـ: (الشَّفَهِيَّة) [1] مرَّةً، ومرَّةً بـ: (الشَّفَوِيَّة) ، ونبَّه أنَّ الشفتَين لا تَعمَلُ في غير هذه الثلاثة من الصِّحاح، قال:"وثلاثةٌ شَفَوِيَّة: (ف ب م) ، مخرجُها مِن بَين الشَّفَتَين خَاصَّةً، لا تَعْمَلُ الشَّفتان في شَيءٍ من الحُرُوفِ الصَّحَاحِ إلاَّ في هذه الأحرفِ الثلاثةِ فقط" [2] .
وما يَفْعَلُه بعضُ القرَّاءِ اليومَ من إشراكِ عمَلِ الشفتَين في نُطْقِ بعضِ الأصواتِ كالصَّادِ والسِّينِ والرَّاءِ المفخَّمةِ شيءٌ لا أساسَ لهُ من الصِّحَّةِ بمقتضى نصِّ الخليل، وبالله التوفيق.
تابَع على التلقيب بـ (الشَّفَهِيَّة) ، و (الشَّفَوِيَّة) للثلاثةِ الأحرُف: مكيٌّ [3] .
ولقَّب سيبويه الأصواتَ اللُّغوية التي تَخرُج من الشفتَين بـ: (حروف الشفتَين) ، وهي: الميمُ والباءُ والفاءُ والواوُ.
وتابَعَه: الرمانيّ [4] ، والدانيُّ [5] .
وبـ: (حروف الشفة) : القرطبيُّ [6] .
وذكَر الدانيُّ أنَّ ما يُدْغَمُ من حروف الشفتين عند أبي عمرو بن العلاء البصريِّ هو:
الفاءُ في الفاء. والباءُ في الباء والميم والفاء. والميمُ في الميم، وإخفاؤها عند الباء. والواوُ في الواو [7] .
وذكَر الخليلُ أنَّ الميمَ"آخِرُ الحروفِ من الحَيِّزِ الأوَّلِ، وهو الحيِّزُ الشَّفَويّ" [8] .
أظنُّ أنَّ الخليلَ يَعُدُّ الجهازَ النطقيَّ طرفًا له نهايتان، أيُّهما افتَرَضتَ أوَّلَه فطرَفُه الثاني نهايتُه، والعكسُ صحيحٌ، فهو قد ابتدأ ترتيبَهُ الصَّوتيَّ في المخارج بالحلق على أنَّه الحيِّز الأوَّل فتكون الشفَتانِ نهايةَ الأحياز، وافتَرَضَ الشفتَين هنا الحيِّزَ الأوَّل، فيكون الحلقُ نهايتَها.
وذكَر الجاحظُ أنَّ الميمَ والباءَ أوَّلُ حرفين ينطقُهما الطِّفلُ؛ لرؤيته عمَلَ الشفتين بهما، قال:"والميمُ والباءُ أوَّلُ ما يَتَهَيَّأُ في أفواهِ الأطفال، كقَولِهِمْ: (مَامَا) و (بَابَا) ؛ لأنهما خَارِجَان مِن عَمَلِ اللِّسَانِ، وإنَّما يَظْهَرَانِ"
(1) العين 1/ 58.
(2) العين 1/ 51.
(3) الرعاية 141 - 142.
(4) شرح كتاب سيبويه ل 201/ أ.
(5) الإدغام الكبير ص 78.
(6) الموضَح ص 116.
(7) الإدغام الكبير ص 78.
(8) العين 8/ 421.